{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان} (البقرة: 185). شهر رمضان من أفضل الأشهر، والله تعالى لما خلق الخلائق جعل الشهور بعضها أفضل من بعض، وبعض الناس أفضل من بعض. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح بقدوم هذا الشهر، ففيه تُفتح أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار، وفيه ليلة خير من ألف شهر.
يا لروعة هذا الشهر، فهو يطهرنا من أعباء الدنيا ومشقة الحياة، لأنه شهر القرآن والصدقة والعطاء والعتق من النار، والطاعات التي تعطينا فرصة كبيرة لمغفرة الذنوب. شهر رمضان مدرسة تربوية، تساعد على تكريس العادات الحسنة والتخلص من السلوكيات السلبية.
من المؤسف أنه في شهر العبادة والذكر والصلاة، لا يمانع البعض في أن يمر هذا الشهر الفضيل مرور الكرام، فلقد اعتادوا على ممارسة بعض السلوكيات غير المحبذة، كالتجمع والسهر مع رفقاء السوء في المقاهي لتدخين »الشيشة« ولعب الورق، ويتبعه هدر الأطعمة وعدم استغلال الوقت بالشكل الأمثل لقراءة القرآن، وعدم الرقي بالأخلاق فوق كل الصغائر والضغائن بالعفو والتسامح.
رمضان أعظم فرصة لاكتساب الصحبة الصالحة، كيف لا وهي تشجعك على الخير واغتنام الأوقات في رمضان وبعده، وتعصمك من السقوط فريسة لشياطين الإنس والجن، وتعينك على استغلال أوقاتك في رمضان بالذهاب معها إلى صلاة التراويح والتهجد وقراءة القرآن.
بعكس صديق السوء الذي تكون غايته أن تنحرف عن المسار الصحيح، فشغله الشاغل أن يجعلك نسخة مكررة منه، فتصل إلى مرحلة لا تستطيع تركه بحجة زائفة أنه يحمل بين طيات قلبه الحب والاهتمام.
كيف تستطيع تقويم سلوكياتك في رمضان إذا كنت تعيش في فكر »لا أستطيع«؟ لا أستطيع ترك رفاق السوء، لا أستطيع ختم القرآن، لا أستطيع أن أنجز في رمضان، ولا أستطيع أن أصل رحمي، ولا أستطيع أن أعفو عمن ظلمني!
الأفكار السلبية تعيقك عن تحقيق أهدافك، وتجعل التخلص من العجز الذهني في غاية الصعوبة، لدرجة أنه لن يتم تقبلك للنصيحة الصادقة من أي شخص، ولن تدرك مدى جهلك في تعذيب هذه النفس التي أشقيتها خلال هذا الشهر المبارك. تلحظ في رمضان استمرار عملية تكديس الأطعمة والمشروبات وتخزينها، لتتمكن العائلة من وضع تشكيلة متعددة الأصناف على مائدة الطعام، وفي صباح اليوم التالي ترى العجب العجاب، فبعض الحاويات تفيض بأكياس مكدسة بالأطعمة وأكياس عدة بجانب الحاويات.. لماذا لا يتم التبرع بالأطعمة الزائدة عن الحاجة الاستهلاكية؟ من الممارسات الأخرى في رمضان، عدم التسامح، فيبدأ الاستفهام عند بعض الناس: »كيف أقدر أسامحها؟ هذا نظامي مستحيل أغيره«.
نحن نتعامل مع الله فنقدم الخير لأنفسنا قبل أن يكون للناس، فالعفو يمحو الذنوب ويصفي القلوب، فلنعفُ عن كل من أساء إلينا ليعفو الله عنا ويغفر لنا، فما أسعدك إن عفا عنك من أخطأت في حقه، فتجاوز وغُض الطرف وانظر إلى قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النور: 22).
أوليس هذا شهر القرآن والتقوى والعبادة وتقويم السلوكيات؟ فلم نسمح لبعض الأشياء أو الأشخاص بإشغال أوقاتنا بأمور واهية وممارسة سلوكيات خاطئة في رمضان؟ »إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب« رواه البخاري ومسلم. تجد الإنسان إذا فعل الحرام قسى قلبه، ولكن إذا كان القلب مليئاً بالإيمان صلح القلب، وهنا يستطيع أن يحقق الهدف من الصيام باتباع التقوى.
انتهز فرصة رمضان بكثرة الصلاة والقيام وقراءة القرآن، فالله يصفد الشياطين ومردة الشياطين ليعيننا على عبادته، فلا تتسلط علينا كباقي الشهور فيكون فيه شأن في إصلاح القلوب والهداية. شهر رمضان يتسابق فيه الناس إما إلى الطاعات أو مشاهدة المسلسلات، فأي منهم أنت؟ كل مسلسل في رمضان سيعاد بعد رمضان، ولكن هل سيعود البعض العام المقبل؟ هذا في علم الغيب.
سارع في عمل الخير فاللحظات التي تمضي لن تعود، فها هي أيام شهر المغفرة والرحمة تمر بسرعة البرق.