عشر سنوات انقضت على رحيل حكيم الأمة زايد. عشر سنوات انقضت بكل ما كانت تحمله من متغيرات ومنعطفات خطيرة تدل على تغير الأوضاع في المنطقة تغيراً دراماتيكياً وتبدل سياسات بعض الأنظمة الإقليمية والعربية صعوداً وهبوطاً، الأمر الذي أدخل عالمنا العربي عموماً ومنطقة الخليج خصوصاً في أتون أزمات خطيرة وخلافات مستشرية.
أحياناً كثيرة نفكر لو كان الشيخ زايد حاضراً بيننا ترى ما هي ردة فعله تجاه تطور بعض الملفات الإقليمية والعربية؟ هل سيتقبل الشيخ زايد خط سير بعض الملفات باتخاذ سياسة عدم التدخل أم سيحاول جهده التقريب بين وجهات النظر وإصلاح ذات البين كعادته دائماً؟
أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا ونحن نتابع حركة المؤشر السياسي في منطقتنا الخليجية والعربية صعوداً وهبوطاً دون أن ندرك نهاية الطريق الذي نحن وأمتنا العربية سائرة إليه. عقد مضى على غياب الحاضر الغائب زايد، لم يغب يوماً عن ذاكرتنا ولا عن فكرنا. فقد رسم زايد للإمارات طريقاً ميزها عن غيرها حتى أصبحت تلقب بدار زايد وشعبها بشعب زايد. وقد أدركت قيادتنا السياسية أن هذا هو الطريق الصحيح الذي حفظ لنا منجزنا الذي تحقق منذ أربعة عقود كما حافظ لنا على مصالحنا الحيوية.
وضع لنا زايد أطر سياسة داخلية وإقليمية ودولية مميزة وعلاقات مع الآخر متميزة مهدت لنا كل السبل بحيث وجدت القيادة السياسية الطريق ممهداً أمامها فاتبعت نهجه داخلياً وإقليمياً ودولياً.
داخلياً وضع زايد إطار سياسة الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية الأمر الذي جعل من بلادنا واحة أمن واستقرار اجتماعي مطرد.
فلا يوجد بيننا جائع أو متشرد، كما يوجد في بلدان العالم المتطور مثلاً، ولا يوجد بيننا خائف أو قلق على لقمة عيشه أو على أمنه وأمانه، كما يحدث عند الآخر. نتاج هذه السياسة ظهر واضحاً وسريعاً على مجتمعنا وفي فترة زمنية قصيرة. فلا يخفى على أحد تأثير الأمن والاستقرار على كل مناحي الحياة الأخرى.
وسرعان ما تطور الاقتصاد في بلدنا جاراً معه كل المجالات الأخرى إلى فضاءات أرحب ومدارات أوسع تماماً، كما جذبت بلادنا ملايين من البشر طامعة في العيش في بلادنا ومشاركتنا في النعم التي نحظى بها.
إقليمياً اعتبر زايد أن أبناء الخليج أخوة في السراء والضراء ولهذا اتبع سياسة قائمة على التآخي وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين. وقد اعتبر زايد أن الخليج العربي كالجسم الواحد لو أصاب جزء منه بأس تألم كل الخليج.
وقد سارت القيادة السياسية بعد زايد على النهج نفسه. وعلى الرغم من التغير في المؤثرات الإقليمية واختلاف وجهات النظر حول بعض القضايا المصيرية إلا أن وحدة الدم والمصير كانت دوماً أقوى من كل خلاف، فالعقد الأخير لم يكن سهلاً على دول الخليج. فقد كان عقداً مترجرجاً بامتياز، ولكن دول الخليج استطاعت اجتياز الكثير من المنعطفات الخطيرة التي كادت تهدد الوحدة بينها كما استطاعت عن طريق سياسة بعد النظر تخطي الكثير من الحواجز المصطنعة وأن تتطلع لصيغة تعاونية جديدة قائمة على التكافؤ وعلى حفظ المصالح العليا لشعوب المنطقة ككل.
دولياً اتبع زايد سياسة نبذ العنف وعدم التدخل في شؤون الآخرين مع الاستعداد لمد يد العون لكل محتاج.
وقد أثمرت هذه السياسة عن بناء جسور الثقة والمودة بين الإمارات وبين معظم دول العالم. وقد سارت القيادة السياسية بعد زايد على نهجه محلقة بالإمارات إلى فضاءات أرحب ومدارات أوسع. فبفضل النهج الذي رسمه زايد وتسير عليه القيادة السياسية اليوم، أصبحت الإمارات علماً ورمزاً من رموز التنمية والاستقرار في العالم.
فالدولة تتبع اليوم نهجاً خارجياً واضحاً وخطاً قويماً تسير عليه دون تردد أو وجل. فالوقوف مع الحق ونصرة المظلوم وانتهاج المبادئ السياسية السلمية قادت الإمارات لأن تصبح دولة لها سمعة قوية في المحافل الدولية استثمرتها الإمارات سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.
لقد ترك زايد إرثاً مميزاً. فعلاوة على الإرث السياسي الذي تركه لنا في صورة دولة مستقرة قوية البنيان، شامخة الأركان، فقد ترك لنا إرثاً حضارياً وإنسانياً مميزاً نعتز به كما تعتز به الإنسانية جمعاء. فلا يمر يوم دون أن نستذكر أحاديث زايد نستلهم منها طاقة تعيننا في حياتنا اليومية أو إرشادات حياتية تفيدنا أو قيماً مجتمعية نثري بها حياتنا الاجتماعية أو نوردها تراثاً لأبنائنا.
فما أحوج عالمنا العربي اليوم إلى قائد فذ وشخصية إنسانية كزايد.