قبل قرن من الزمن بالتمام، كانت المنطقة العربية تحث الخطى نحو الانعتاق من ربقة العهد العثماني بأواصره وخلفيته الدينية. في الوقت ذاته كان المشروع الصهيوني يعمل في الاتجاه المعاكس. حيث البحث عن كيان استيطاني في قلب هذه المنطقة يقوم على تهويمات وأحافير توراتية.

لقد كان الخطاب العربي أميل إلى إعادة النظر ومراجعة الصلة بين الدين والدولة بما يجسد مقولة »الدين لله والوطن للجميع«. وفى الوقت عينه كانت الحركة الصهيونية، المحفوفة بالرعاية الغربية، تعمل بوحي خطاب من شأنه فبركة رابطة لا انفصام لها بين اليهود واليهودية وأرض فلسطين. أدى تدثر المشروع الصهيوني بعباءة الدين والتركيز على الطقوس اليهودية، إلى رد فعل عربي من القماشة ذاتها.

صار من الصعب على بعض الخاصة ومعظم العامة، طرد الاعتقاد بأن ما يجري في الرحاب الفلسطينية وجوارها، هو حرب ذات جذور وأغوار دينية.

ولا شك في أن هذه الأجواء قد هيأت لإطلاق نوازع التطرف والغلو الديني. وفي لحظات بعينها، كلحظة الانتصار الإسرائيلي والهزيمة العربية عام 1967، تجلت هذه النوازع بشكل استثنائي. ففي إسرائيل قيل إن »الانتصار هو تعبير عن رضى الرب على شعبه المختار«، بينما علق فيه عرب كثيرون الهزيمة على مشجب الابتعاد عن الإسلام.

وفي هذا الغمار اكتسبت القوى والحركات الدينية هنا وهناك مزيداً من الأنصار والمريدين، وتفاقمت هذه الظاهرة بمرور الوقت. وكان التفاقم أوسع نطاقاً وأكثر عمقاً بين الإسرائيليين، حتى بلغنا منذ بضع سنين طور الحياة تحت هاجس مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. والمدهش أن هذا المطلب، الذي يكوي الوعي الديني ويشحذه على الصعيد الفلسطيني والعربي والإسلامي، يحدث بالتزامن والتوازي مع الضغوط الهادفة إلى تسكين ثائرة التيارات الدينية الإسلامية، مع رمي أكثرها بالتطرف.

ولا تقل دهشة المتابع العقلاني، حين يتأمل في الكيفية التي تعرض بها إسرائيل صورتها وطبيعة نظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وسياقاتها الأيديولوجية الثقافية. فالإسرائيليون يقدمون أنفسهم كدولة علمانية مدنية؛ تأخذ بالمثل الغربية الليبرالية والديمقراطية، وفي الوقت ذاته، يتشدد هؤلاء ويحتشدون وراء مطلب الدولة اليهودية، وهم يتحايلون على الخلق بمحاولة الترويج لفكرة عدم التعارض بين هذه الأبعاد. ثم انهم لا يجدون حرجاً في استثارة الدنيا بأسرها ضد التيارات الإسلامية باعتبارها غير قابلة للمثل الديمقراطية وإجراءاتها.

في كل حال، تبدو العلاقة بين إعلاء شأن الأبعاد الدينية لدى الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني العربي، وبين انتشار مظاهر التطرف الديني، مسألة بالغة التعقيد. غير أنه لابد من تحري هذه العلاقة واستكناه تداعياتها على سيرورة الصراع في الحال والاستقبال.

وبشكل أولي، يحق لنا إنصاف القطاع الأوسع من الفضاء العربي على المستويين الرسمي السياسي والمدني الشعبي، بالنظر إلى اليقظة المبكرة لخطورة التشدد في منح الأولوية لكلمة الدين في الصراع، والاجتهاد في تنحية جماعات التطرف والانغلاق وعزلها عن توجيه الرأي العام بهذا الخصوص. نود القول إن مطاردة التطرف والمتطرفين أمر ضروري وممكن وقائم بالفعل على الجانب الفلسطيني والعربي.

لكنه صعب إلى درك المستحيل تقريباً على الجانب الإسرائيلي. ذلك لأن التصدي للتطرف بين الإسرائيليين، يعني بداهة الصدام بمكونات أساسية في العقيدة الصهيونية الحاكمة لفلسفة المجتمع والحكم والسياسة.

فمثلاً، يشكل المستوطنون طليعة ومنارة للقوى الإسرائيلية شديدة التطرف والدوجمائية، ولكن لا يصح صهيونياً إجبار المستوطنين على مغادرة سياساتهم التوسعية في »أرض الميعاد« ، ولابد من إتاحة هوامش واسعة لتحركاتهم والاعتزاز بتصرفاتهم. وبالمنطق ذاته، لا يصح إغلاق برامج التعليم الديني التي تخرّج أجيالاً ممن يحتقرون الفلسطينيين وينظرون إليهم بدونية.

يناوش الصحافي الإسرائيلي بن درور هذه المعاني، فيقول »إذا كان هناك من يدعو للخلافة الإسلامية الظلامية، فإن بين ظهرانينا في إسرائيل من يريد إنشاء خلافة توراتية ظلامية أيضاً«.

يتحدث الإسرائيليون ومشايعوهم عن التطرف والمتطرفين في »الشرق الأوسط«، متناسين أو منكرين أن مشروعهم الصهيوني الاستيطاني هو من أسس لهذا المفهوم وغذاه بسياساته وسلوكياته.

وفى تقديرنا عموماً، أن جانباً كبيراً من التطرف المقصود بأقوالهم إنما يعلو ويهبط ويقوم ويقعد، كرد فعل ورجع صدى لهذه السياسات والسلوكيات و»من حضّر العفريت.. يصرفه«!.