مضى أكثر من ثلث الشهر الفضيل، شهر الله المعظم الذي قال عنه الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: »شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ« (البقرة: 185)، وهو الشهر الذي لطالما تاقت الأرواح إليه، لما جعل الله سبحانه وتعالى فيه من بشائر الرحمة ونعمة العبادة وفريضة الصيام وفضيلة القيام، وما جبل أنفس المؤمنين فيه على حب الخير ولمسة الحنان وعمل البر وصلاح النية والسريرة.

ورمضان المبارك، على ما فيه من خير عميم، هو في الوقت نفسه فرصة لنا كإماراتيين لكي نبرز تميزنا واتحادنا، ونعزز منظومتنا القيمية الحاكمة لأخلاقياتنا وسلوكياتنا، سواء تجاه مقتضيات ديننا أو متطلبات حياتنا.

كما أن الحديث عن رمضان وما فيه من رحمة وتراحم وعطاء وعمل وصلاة وصيام وقيام، كلها نرجو بها مرضاة الله سبحانه وتعالى، يفتح الباب على مصراعيه نحو حديث صريح وشفاف من القلب للقلب.

فأولا، لا بد من التذكير بمن نحن، فنحن كشعب إماراتي نعتبر الإسلام المكون الرئيس لهويتنا الوطنية، حتى إن كلمات نشيدنا الوطني عرّفتنا على هذا الأساس، ما أجمل هذه الكلمات:

عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا

                                عشتِ لشعبٍ دينُه الإسلام هديه القرآن

لذلك من المنطقي أن نتذكر أن منظومة قيمنا الوطنية ورمضان يرتبطان بعلاقة وثيقة تتجدد كل سنة، وذلك لأن الإماراتي فُطر بحمد الله وفضله على الطاعة والتقوى ومخافة الله، ولذلك تجد الإماراتيين من أحرص الناس على اغتنام فرصة شهر رمضان المبارك لتجديد صلتهم بالله وتحابهم في الله وتنافسهم في مرضاته سبحانه، بالعمل الصالح والصيام والقيام والصدقات.

ولعل هذا ما يفسر ترحيب الجميع بالمبادرة الكريمة التي أطلقها مع بداية الشهر الفضيل، سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لتوفير الماء النظيف لخمسة ملايين إنسان تحت شعار »سقيا الإمارات«.

فقد شعرنا بأن الجميع تصرف وكأن هذه مبادرته الخاصة، يحرص على نجاحها وتلبية متطلباتها، حتى الشباب اليافعون الذين لا يمتلكون مصدرا للدخل بعد، بدأوا يستفيدون من فرصة تزامن هذه المبادرة السامية مع الشهر الفضيل، ليقدموا ما يستطيعون تقربا إلى الله سبحانه في علاه.

إذن المعادلة بسيطة؛ نحن شعب مسلم مؤمن، التقوى والصلاح جزء من هويتنا الوطنية، وهي نقطة مهمة يحتاج أن يفهمها من فتحنا لهم أبواب وطننا ليقيموا معنا معززين مكرمين، لأن المساس بحرمة الشهر الفضيل أمر مرفوض من أي كان، ولا بد أن يعي من يرتكب هذا السلوك المشين، وخاصة المجاهرين، أنه لا يتجاوز القانون فحسب، وإنما يسيء إلى دولة الإمارات ككل من خلال الإساءة لدينها.. لست في موقع السلطة القضائية، لكنني لن آسف على من تدينه المحكمة وتأمر بإبعاده لإساءته لحرمة هذا الشهر الفضيل.

وما دمنا نتحدث عن حرمة الشهر الفضيل، فمن باب أولى أن نرسل رسالة تذكير ودية إلى محطات التلفزيون، المحلية منها أو التي تبث من ارض الدولة، لأنه على ما يبدو أن منطق السعي الدائم وراء الربح وضع غشاوة كبيرة على أعين بعض القائمين على هذه القنوات، حتى وصل الحد بإحدى قنواتنا الوطنية أن تقوم بتخصيص برنامج رمضاني لشخص ما تحت شعار »رمضان ارتبط في ذاكرتنا بالغناء«! هل يعقل أن محطة إماراتية، من بلد الخير والتقوى والإسلام، تسمح بمثل هذا الكلام عن الشهر الفضيل! أما المسلسلات والبرامج الغنائية والمسابقات، فحدث ولا حرج.

قد نستوعب الأمر إذا كان البث من أرضنا وموجها لغيرنا، لكن أن تكون المواد موجهة لعائلاتنا وبيوتنا، وتحت مسميات تخصنا وبأسلوب أبعد ما يكون عن علاقتنا برمضان، فهذا أمر مشين يسيء إلى مجتمعنا وثقافتنا، ويمسنا في خصوصية علاقتنا بشهر الله المعظم.

رمضان في ذاكرة الإماراتيين لم يكن يوما مرتبطا بالغنج والغناء والمسلسلات الفجة، والاستعراض البعيد عن قيمنا وثقافتنا وحتى رمستنا! من أين جاءنا هؤلاء؟ وما هو المبرر؟ الإعلانات؟ هل ينسى القائمون على تلفزيوناتنا أن بعض المسلسلات »المحافظة« هي التي تحصد أعلى نسب المشاهدة، ومعها أعلى نسب الإعلانات، كما هي حال المسلسلات التاريخية السورية والمصرية مثلا؟

وأين اختفى المسلسل الإماراتي الجاد بالمناسبة؟ وهل يعقل أن تصبح الإعلانات هي التي تحدد شكل وطبيعة الدور الوطني لوسائل إعلامنا؟! أم نقول وسائل إعلاناتنا! رفقا بالإمارات وأهلها، ورفقا بشهر الصوم يا هؤلاء!

ورفقا بمن جعلتهم مسلسلاتكم يدمنون عليها حتى أصبحت بديلا لهم عن صلاة التراويح، وهذا طبعا إذا وضعنا كأس العالم جانبا! والشهر الفضيل هو في كل حال شهر للمودة والتسامح والمحبة المتبادلة بين ابناء الوطن الواحد، فإذا لم تجُد بالمال فجُد بالسؤال والكلمة الطيبة، وتبسمك في وجه أخيك الذي عدّه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من الصدقات.

وهذا تطبيق عملي لما عرف عن شعب الإمارات من تراحم وتواد وتكافل، وليس أفضل ولا أجمل من رمضان المبارك لنعمم فيه هذه العادات الخيّرة، التي ورثناها كابرا عن كابر وحضّنا عليها ديننا الحنيف ولا يزال قادتنا الكرام يشجعوننا عليها في كل مناسبة. ومن الطبيعي مع اشتداد الحرارة وطول ساعات الصيام، أن يشعر البعض بشيء من التوتر وسهولة الاستفزاز، لكن أين نحن من أجر الصيام الذي يفترض أن يطفئ في نفوسنا ذلك كله؟ وأين نحن مما عودتنا عليه تقاليدنا، دينية وشعبية، من أخذ الأمور بالحسنى والاعتدال، والبعد عن المجادلة بالسوء وتجنب ما يفسد الصيام؟

أين نحن في رمضان من تقوى الله لأنها كما نعلم جميعا لا تتحقق بالصيام وحده؟.. رمضان هذا العام فرصة ثمينة لكي نجدد صلتنا بالله سبحانه وتعالى، وفرصة لكي نعيد التأكيد على قيمنا النبيلة، وهي قيم أصيلة مستمدة من شريعتنا السمحة وتقاليد الإسلام الغنية، وفرصة لكي نستعيد ما انقطع من حبال الود مع من تجمعنا بهم أواصر القربي والوطن، فهل ترانا نستغل هذه الفرصة؟