هيلاري كلينتون والخيارات الصعبة

ما هو سبب الزوبعة في فنجان المتعلقة بالجوانب المالية الخاصة بهيلاري وبيل كلينتون؟ لا يمكن أن يكون الأمر متعلقاً بقدر ما لهما من مال، فالثروة لم تحل قط دون وصول أحد إلى منصب رفيع، والعديد من أعظم الرؤساء الأميركيين جاءوا إلى هذا المنصب وهم يملكون أموالاً طائلة، ومنهم جون كيندي وفرانكلين روزفلت وابن عمه الخامس تيدي، وقد حسنوا حياة الأميركيين العاديين كثيراً.

وهذه الزوبعة لا يمكن أن تكون متعلقة بدقة هيلاري، وربما كان من قبيل المبالغة من جانبها أن تقول إنها وزوجها كانا »مفلسين« عندما غادرا البيت الأبيض، وكانت عليهما أتعاب قانونية طائلة يتعين عليهما تسديدها.

كما أن هذه الزوبعة لا يمكن أن تدور حول الكيفية التي كسبا بها مالهما، فمعظم هذا المال جاء من الأحاديث العلنية وحقوق الملكية الفكرية الخاصة بالكتب، وهي المصادر نفسها بالنسبة لمعظم الرؤساء الأميركيين السابقين وزوجاتهم.

إذاً، ما الذي تدور حوله هذه الزوبعة؟ إن القصة الكامنة وراء ذلك، هي أن أميركا تعيش عهداً من اللامساواة المتزايدة بحدة، فقلة من قمة الهرم تعيش على مستوى مترف للغاية، ولكن معظم الأميركيين يعيشون عند أسفل السلم الاقتصادي. وهذا هو السبب في أن المذيعة التلفزيونية دياني سوير سألت هيلاري عن الأتعاب الهائلة عند الحديث أمام الرأي العام، وأن صحيفة »غارديان« تساءلت عما إذا كانت هيلاري يمكن أن تكون صادقة في ما يتعلق بقضية اللامساوة.

وهذا هو السر في أن هيلاري ردت بأن الزوجين قد احتاجا إلى المال عندما غادرا البيت الأبيض، ودفعا الضرائب المستحقة عليهما، وبدا ردها متجاوزاً لما يدور الحديث عنه.

إن الأسئلة لا علاقة لها بما إذا كان الرئيس الأسبق وزوجته يستحقان المال، وإنما تدور حول ما إذا كان كل ذلك الدخل من الشركات الكبرى ومن وول ستريت قد وضعهما في جانب المميزين والأقوياء، وليس في جانب الأميركيين العاديين.

ويرغب الناخبون هذه الأيام في أن يعرفوا إلى أي جانب يقف المرشحون للمناصب الكبرى، لأنهم يعتقدون أن اللعبة مزورة لغير صالحهم. فقد أوضح استطلاع أجراه مركز بيو، أن 62% من الأميركيين الآن يعتقدون أن النظام الاقتصادي يحابي الأقوياء وذوي السلطة على نحو غير منصف. ويعتقد 78% أن سلطة أكبر بكثير مما ينبغي تتركز في شركات كبيرة للغاية، بل إن 69% من الشباب ذوي الميول المحافظة، يعتقدون أن النظام يحابي الأقوياء وذوي السلطة.

وهذا القلق نفسه يساور الحزب الجمهوري وهو يدفع قدماً تمرد حزب الشاي، لكن المؤسسة الجمهورية لا تعتقد أنه يتعين عليها أن تتخذ جانباً، فهي تفترض أن بمقدورها أن تواصل تمثيل مصالح الشركات الكبرى وول ستريت، ومع ذلك تظل قادرة على اجتذاب جانب كبير من الطبقة العاملة البيضاء. والحزب الديمقراطي بمن فيه هيلاري، ليس أمامه هذا الخيار، وهو الأمر الذي يعني أنه مع تزايد صفوف الطبقة الوسطى القلقة، فإن صيغة الفوز التالي التي استخدمها بيل كلينتون وأوباما، ربما لم تعد قادرة على إعطاء المردود المنتظر منها.

ولم تكن هذه الصيغة مقتصرة على استقطاب الأقليات والنساء فحسب، وإنما استندت أيضاً إلى مخاطبة الضوابط ذات الميل الجمهوري في أعلى السلم الاقتصادي، والمهنيين والمعتدلين في وول ستريت، وذوي المصالح الوسطيين.

وبناءً على هذا فإن خطط كل من أوباما وبيل كلينتون الاقتصادية قد دعت إلى خفض العجز كجزء من »سياسة مالية مسؤولة«، وإلى التوسع التجاري، والاستثمار في البنية التحتية والتعليم لزيادة النمو الاقتصادي.

وفي إطار هذا السيناريو فإن الديمقراطيين سيسعون لصياغة تحالف سياسي جديد لكل من يعرفون المرونة النزولية في أميركا، أي الفقراء والطبقة العاملة والمتوسطة من البيض والسود والملونين. ومع انكماش الطبقة المتوسطة وتزايد عدم الثقة في المؤسسة، فإن استراتيجية ديمقراطية جديدة لمخاطبة المعرضين للمرونة النزولية، ربما تكون ضرورية وحتمية معاً، وإذا قررت هيلاري كلينتون أن تخوض السباق الرئاسي المقبل، فإنها ربما يتعين عليها أن تخوض هذه المغامرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات