إذا كان تعريف التاريخ اصطلاحاً هو تحليل وفهم للأحداث التاريخية عن طريق منهج يصف ويسجل ما مضى من وقائع وأحداث، ويحللها ويفسرها على أسس علمية صارمة، بقصد الوصول إلى حقائق تساعد على فهم الماضي والحاضر والتنبؤ بالمستقبل، فإن التاريخ لا يعني فقط تسجيل الأحداث التاريخية أو السجالات السياسية ولكنه أعم وأشمل، إنه رصد وتسجيل لحركة المجتمع في الحال والترحال وفي الأفراح والأتراح، وعند شروق الشمس فتملأ الدنيا نوراً وبهجة، وعند الغروب حين يسدل الليل ستائره الثقيلة ليحجب النور في لحظات الانتصار والانكسار.

التاريخ هو توثيق لحالة الشعوب حين تعيش بين الأمل والرجاء، وهو الشاهد على حالة المجتمع ومقامه في الأدب والفن والفكر والثقافة، وهو الكاشف والمعلم، من يتعلم من دروسه ويفقه حكمته يصنع حاضره ويأمن مستقبله، ومن يجهله أو يعرض عن فقه أحداثه وصيرورته، يتخبط في دنيا الناس ولا يملك إلا أن يرجع إليه. هكذا مدرسته التي لا يدخلها إلا الحكماء والقادة الأفذاذ الذين يعرفون أن أحكامه هي القاطعة لا استئناف فيها ولا نقض، لذا كانت المقولة العبقرية للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، »من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل«.

تدافعت على خاطري هذه الأفكار وأنا أقلب صفحات تلك الوثيقة التاريخية الثمينة التي أصدرتها جريدة »البيان« الغراء بضمير وطني خالص، تحت عنوان »بث حي من الإمارات«، تكشف من خلالها عن التاريخ الإعلامي لدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي تصدرت صفحاته مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: »إن تحقيق الازدهار يتطلب تحرير الإعلام من القيود والقوانين والممارسات، لينطلق بمزيد من الحرية والاستقلالية والإبداع«.

والحق أنه استوقفني ذلك العنوان الذي جاء معبراً عن جهد حقيقي وواقع نحتاج إليه، وهو »الكشف عن التاريخ الإعلامي لدولة الإمارات«، والكشف كلمة تأتي لتعبر عن قيمة شاخصة تنتظر من يميط عنها اللثام، لينعم برؤيتها الآخرون.

إن ما قامت به صحيفة »البيان« هو كشف حقيقي سبقه تنقيب وبحث، لا يقل في قيمته عن التنقيب عن أغلى المعادن وأندر الثروات، عبرت عن ذلك تلك المحصلة من السيرة الموثقة والمسيرة الظافرة في مجال من أهم المجالات وأكثرها تسارعاً، وهو مجال الصورة والصوت، ذلك العالم الذي بات الأداة التي من يملكها يملك الكثير، ومن يتهاون في امتلاكها يتيح لغيره الحديث باسمه أو الوكالة عنه، وانتقاء ما يودون أن يراه الآخرون، وهو من جوانب الظلم التي عانى منها عالمنا العربي طوال عقود طويلة، من خلال صناعة صورة لا تعبر عن حقيقة واقعه.

ولا شك أن هناك عوامل كثيرة تدفعني لتقدير هذا العمل الموسوعي، الذي يتجاوز الدور الإعلامي المنوط بالمؤسسات الصحافية إلى أدوار أخرى تعليمية وإرشادية، وأن تتحول المؤسسات الصحافية إلى مراكز بحثية حقيقية تقدم المعلومة الموثقة، في عصر بات فيه التأكد من الكم الهائل من حالة الإغراق المعلوماتي من الصعوبة بمكان، وهو ما يضيف قيمة كبيرة للدور المجتمعي الواجب على مؤسساتنا الإعلامية القيام به في ظل حالة الانفلات المعلوماتي التي نطالعها ليل نهار، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد.

ومصدر اعتزازي وتقديري لهذا العمل الضخم ليس فقط الصور ذات الدلالات التاريخية، والتي تستطيع من خلال مطالعتها معرفة سيرة طويلة، وجهد جبار وبناء تسانده رؤية تعرف أين تريد أن تكون خلال سنوات، والأهم أنها تحقق ما تريد وزيادة، لتعطي درساً لأبنائنا في أهمية التخطيط العلمي الذي تصاحبه وتقترن به إرادة الفعل، والصورة تغني عن ألف كلمة كما يقول المثل الصيني، كما أن »الرؤية هي الحقيقة« على حد قول خبراء الإعلام.

وليس مصدر تقديري فقط تلك الشهادات الحية التي ساهمت في صناعة الإعلام الإماراتي وواكبت نهضته، وتواصلت مع أدواته وأوعيته، أو ذلك الثوب القشيب الذي قدم به العمل من رسوم غرافيكية وهو من الأهمية بمكان، لأن الشكل مكمل للمضمون، غير أن الأهمية الغالبة لهذا العمل تأتي من حاجة المكتبة الإعلامية العربية بصفة عامة والوطنية على وجه الخصوص إليه وللفراغ الذي سيشغله في مجال نشأة وسائل الإعلام الإماراتي وتطوره، وخاصة أن ما يتوافر في المكتبة الإعلامية فقير في مضمونه ويفتقر إلى التحديث، وما حققته الإمارات في مجال الإعلام كثير للدرجة التي يتطلب من يرقبه بشكل يومي، وهو ما ينوء بحمله الباحث الفرد.

لذا فإنني أقترح على سعادة الأستاذ ظاعن شاهين، باعتباره المدير التنفيذي لقطاع النشر في مؤسسة دبي للإعلام، أن يعاد إخراج تلك الموسوعة الإعلامية وإصدارها في شكل يسهل تداوله ككتاب جامعي، وخاصة أن مساق »وسائل الإعلام في الخليج« يدرس ضمن برنامج الإعلام في معظم الجامعات في الدولة، وما بها من إضاءات حول تاريخ الإعلام الإماراتي كفيل بالإجابة عن تساؤلات تلك الطالبة التي أرسلت على بريدي الإلكتروني تطلب مساعدتي في الإجابة عن تساؤلات تتعلق بتاريخ الإعلام الإماراتي، والتي أعياها البحث دون أن تصل إلى إجابة عنها، وأرهقتني كذلك الإجابة عنها، غير أن دفتي هذه الموسوعة تجيب عليها بوضوح وأدلة موثقة.

إنني أود أن تنتشر هذه السنة الحسنة التي سنتها صحيفة »البيان«، عبر قيام كل مؤسسات الدولة بمسؤوليتها الوطنية في التنقيب والكشف عن تاريخ الإمارات كل في مجاله، عبر منهج علمي موثق، تشارك فيه المراكز البحثية والجامعات بما تملكه من خبرات أكاديمية، لتخط لكل جهة من الجهات خطاً في لوحة الشرف والبناء، ولتكتمل جوانب الصورة المضيئة لوطن بات نموذجاً تستلهم تجاربه كل الشعوب الناهضة، وطناً باتت الإقامة على ثراه أملاً لشباب العرب وغيرهم، فضلاً على أن يعرف الشباب من أبنائنا كيف كنا وكيف أصبحنا في رحلة الرجاء والأمل. إنني أحيي وأشد على كل يد كتبت حرفاً أو سطرت عبارة في هذه الموسوعة الإعلامية الوطنية المهمة التي جاءت متأخرة، ولكن أن تأتي الأشياء متأخرة خير من ألا تأتي.