مؤشرات خطيرة تنبئ عن حالة الوعي أو اللاوعي الموجودة الآن في مجتمعاتنا العربية، وتدعو إلى تحليلها لمعرفة الطريق الذي نحن سائرون عليه صعودا إلى الألفية الثالثة. أمر خطير آخر يجعلنا نحبس الأنفاس انتظارا لما سوف يحدث بعده، ليس كنتاج له، بل ردة فعل.

فعوضا عن حالة الثبات حول موضوع رئيس شغل الناس، ألا وهو الإرهاب والذى حصد أرواحا وازهق نفوسا كثر، فقد تم اعلان الخلافة الإسلامية، ليضاف عنصر اثارة جديد، كمؤشر على ما وصلت اليه الأوضاع السياسية والفكرية والثقافية في عالمنا العربي.

هذا الوضع خلق انقساما كبيرا في الشارع العربي، ليس حول مؤيد ومعارض للخلافة، بل حول الأوضاع في مجملها، والتي أصبحت عوضا عن أن تقود الناس إلى التنمية والعلم والمعرفة المفيدة للمجتمع وللعالم، أصبحت منشغلة بمواضيع ترجعنا مئات السنين للوراء.

فمن يشغل الرأي العام العربي اليوم ليس من يملك خطة تنموية واضحة أو برامج للتنمية مصاحبة أو فكرا تنويريا ينهض بالمجتمع من حياة الفقر والبطالة والحروب والأزمات السياسية، التي تطحنهم وتخرجهم من أزمة، لتزج بهم إلى أتون ازمة أخرى، بل للأسف من يملك أجندة أيديولوجية عفا عليها الزمان، ولا تصلح لحياتنا، ونحن ندخل بعمق في الألفية الثالثة.

من يؤثر في مؤشر الوعي يرفعه صعودا وهبوطا هو صاحب أجندة متطرفة، هدفها ـ كما يدعي ـ تحقيق مجتمع قائم على اسس من العدالة والدين، رغم أن الإسلام بريء من تلك الآيديولوجية الفكرية المتضعضعة. فالإسلام أتى بحياة سليمة تناسب كل البشر وعلى كل اطيافهم ومستوياتهم.

كما أن الإسلام امر اتباعه باحترام الأديان الأخرى وتقبل الآخر والوسطية في كل الأمور. ولكن كل تلك الأمور هي بعيدة عن اجندة تلك الجماعات، بل لا نسمع عنها قط في أجندة هؤلاء المتطرفين، والذين يشغلون الساحة بترهاتهم الفكرية وتوجهاتهم المتطرفة والبعيدة كل البعد عن مبادئ الدين الإسلامي.

قتل وفتك وانتهاك أعراض وفرض جزية وزي معين على الناس وأفكار حاربها الإسلام لما لها من ضرر، لأنها تفرق الأمة وتهدد الاستقرار، كلها نشرتها تلك المجموعات المسلحة، والتي لا هدف لها الا السيطرة ونشر فكرها المتطرف وإعادتنا إلى عصور الجاهلية.

فما الذي حدث وأدى إلى ذلك الانحراف الفكري؟ ما اسباب ظهور هذه الموجة من التشدد والغلو بعد أن تميز عالمنا العربي بالتسامح وتقبل الآخر؟ وهل كتلة اللهب هذه تهدد بالانتشار إلى نطاق واسع، وتجعل من عالمنا العربي شعلة من نار تحرق من فيها؟

منذ ثلاثة عقود والعالم العربي يشهد ثلاثة مؤشرات مهمة على أنه مقبل على مرحلة مخاض صعبة. المؤشر الأول هو سيادة أنظمة دكتاتورية حولت بلدانها إلى مزارع وضيَع، ينتشر فيها الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب، الأمر الذي جعل من تلك البلدان من أكثر مناطق العالم بؤسا وجذبا وطردا. هذه الأوضاع جعلت من التنمية والاستثمار داخل تلك البلدان حلما بعيد المنال.

وكنتاج لهذه الأوضاع فقدت تلك البلدان الكثير من العقول التي غادرتها للغرب أو للدول العربية المستقرة، ليس فقط طلبا للرزق، ولكن طلبا للاستقرار والأمان. هذا النزيف للأدمغة كان في حد ذاته مؤشرا خطيرا على المدى الذي وصلت اليه الأحوال في مجتمعاتهم وعلى المستقبل الذي كان يتنظر تلك البلدان.

مؤشر آخر على تدهور الأوضاع في العالم العربي، كان في الاستغلال الأيديولوجي للدين وتطويعه لخدمة أجندات سياسية أو لضرب تيار ضد آخر. فعلى الرغم من أن الدين كان دوما وسيلة سياسية، الا أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت تزايدا في استغلال الدين من مختلف الأطراف، كلٌ لخدمة أغراضه. هذا الاستغلال خلف تيارات متشددة وافكاراً غير سوية، استطاعت أن تخلق لها أتباعاً وأن تنشر أفكارها، وأن تفرّخ تيارات أخرى، وأن يتفرع عنها أخرى تتبنى افكاراً اكثر تشددا.

هذا البناء الفكري كان في حد ذاته مؤشرا على أن الأمة سائرة في طريق غير التنمية والبناء.

المؤشر الثالث هو تقبل فئة من الشباب لهذه الردة المتشددة، والذي يدل على حالة لا وعي فكري خطير، وانحراف اجتماعي عن الخط الذي بشّر به الآباء والأجداد. فعوضا عن أن يتطلع الشباب للمستقبل تطلعوا للماضي بكل سلبياته، يحيونه لإعادة مجد غابر وسلطة غير واقعية.

هذه المؤشرات كانت جميعها دليلا قويا على أن عالمنا العربي مقبل على مرحلة خطيرة من تاريخه. القليل تهيأ لهذه المرحلة والكثيرون أرجأ التفكير في نتائجها إلى حين. فمن تهيأ لها عرف كيف يتعامل معها، ومن أرجأها إلى حين يعاني الآن من ارهاصاتها المختلفة.