طبقاً للحسابات الاقتصادية البحتة، تدر الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 على إسرائيل من ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار سنوياً. الاحتلال بهذا المعنى يمثل مشروعاً مربحاً للإسرائيليين.
وفي التفصيلات الموصولة بالقضايا الاقتصادية ذات الطبيعة الاستراتيجية الفارقة بالنسبة لسيرورة المشروع الصهيوني ومستقبله، قوة وضعفا أو حتى وجودا وزوالا، تبرز أهمية البعد المائي بشكل استثنائي. فقد لا تعجز اسرائيل عن ايجاد أسواق تغنيها عن أرباح التجارة القسرية مع الفلسطينيين، ويستطيع الاسرائيليون الاستعانة بالمدد المالي اللاممنوع واللامقطوع من الرعاة والحلفاء الدوليين؛ المعزز بالتبرعات السخية من يهود العالم. لكن ما لا يمكنهم التفريط فيه ويوجعهم، هو احتمال تعرضها للنضوب في الداخل هي موارد المياه العذبة.
معظم العقبات الماثلة أمام مفاوضات التسوية الفلسطينية الخاصة بقضيتي الاستيطان والحدود النهائية، مصدرها تمسك الاسرائيليين باستحلاب أحواض المياه الجوفية في الضفة، وإصرارهم على مشاطأة نهر الأردن. والملاحظ أن الاسرائيليين لا يبوحون بالسبب الأساسي لهذه المواقف، الذي يتعلق بالمطامع المائية، وانما يتعللون بالهواجس الأمنية.
كما انهم لا يصرحون بأن جدار الفصل العنصري والاستيطان، انما يفعل فعله كأداة لعزل عدد كبير من آبار المياه الجوفية والينابيع الفلسطينية الأكثر غزارة وجودة داخل اسرائيل، في حين أثبتت الدراسات المختصة أن هندسة الجدار جرت على نحو يضمن هذه النتيجة.
وأهم الجولات العدوانية الاسرائيلية، كغزو لبنان عامي 1978 و1982، جرت على خلفية محاولة تأمين هذه الموارد. وقديما كانت الخريطة التي رفعتها الحركة الصهيونية الى مؤتمر باريس عام 1919، قد تم رسمها بحيث تضمن استحواذ الكيان الصهيوني المقترح على نهري الليطاني والأردن وبحيرتي الحولة وطبريا وجبل الشيخ.
وفي يناير 1941 كتب الزعيم الصهيوني بن غوريون »أمنيتي للمستقبل جعل الليطاني حدود اسرائيل الشمالية«.
وعلى غرار هذا الطموح أشار ليفي أشكول، رئيس وزراء اسرائيل ابان عدوان 1967، إلى أن اسرائيل العطشى لا يمكنها الوقوف مكتوفة، بينما نصف مليون متر مكعب من مياه الليطاني تذهب سنويا الى البحر.
هذا النمط من التفكير التأسيسي، يستفز السؤال عن الجهد المطلوب لاجبار اسرائيل على الانسحاب من هضبة الجولان، التي تضخ لها كل عام نحو 400 مليون متر مكعب من المياه. وتتضاعف الأسئلة المحيرة عند الاستطراد الى مكانة المياه المنهوبة من أحواض الضفة الفلسطينية، بوسائل تقنية بالغة التعقيد.
لقد كان قرار منع الفلسطينيين من التصرف في مواردهم المائية في طليعة الأوامر العسكرية الإسرائيلية فور احتلال الضفة وغزة عام 1967.
وعلى مدار فترة الاحتلال المديد، جرى تحويل زهاء 85% من كتلة مياه الضفة الى اسرائيل من جهة والمستوطنات المقامة داخل الأرض المحتلة من جهة أخرى.
وتشير المصادر الفلسطينية ذات الصلة الى أن شركات المياه الاسرائيلية، وأبرزها شركة ميكوروت، تمارس دوراً بغيضاً في ادامة الاحتلال، كونه يعود عليها بأرباح طائلة. فهي تتولى سرقة مياه الفلسطينيين ثم تعيد بيعها لهم بأثمان باهظة.
لنا أن نتصور أي ضنك مائي يعيشه الفلسطينيون، قياساً بالبحبوحة المائية لدى الإسرائيليين، حين نعلم أن الفرد الفلسطيني يستهلك نحو 75 متراً مكعباً من المياه سنوياً، مقابل 240 متراً للفرد الإسرائيلي. يحدث هذا التفاوت العنصري في رحاب الضفة المحتلة بين أصحاب الأرض ومغتصبيها!. هذا ما يقوله تقرير حديث للبنك الدولي.