العنف الذي يعصف بالعراق وبوحدة شعبه، أعاد الأوساط السياسية الأميركية إلى الاهتمام بهذا البلد، فقد انخرط سياسيون وصناع سياسات جمهوريون وديمقراطيون، في نقاشات على مختلف المحاور يقلبون فيها مختلف الخيارات المتاحة، بعد أن كانوا يأملون أن حقبة عقدين من السنين انشغلت فيها الولايات المتحدة بشؤون هذا البلد، قد خلفوها وراء ظهورهم بعد انسحاب القوات الأميركية في نهاية 2011. أربعة رؤساء أميركان شهدوا خلال هذين العقدين الحرب على العراق، ومن ثم الحرب فيه، ثم مغادرته مع ذكريات أعادت إليهم حقبة حرب الاستنزاف الفيتنامية.
الصدمة التي أحدثتها النجاحات الكبيرة التي حققها المسلحون، وعلى رأسهم »داعش«، في عدد من المحافظات العراقية، كانت من القوة بحيث لم تستطع النخب السياسية في الغرب والشرق على السواء تجاهلها، فقد عاد بعض الوجوه المألوفة من المحسوبين على »المحافظين الجدد«، تطل من جديد على وسائل الإعلام الأميركية لتدلي بدلوها وتحلل ما يجري من أحداث وتبحث عن مسبباته.
وتلقي باللوم على عاتق الرئيس أوباما وتتهم إدارته بالتنصل من التزاماتها نحو العراق، والتفريط بالمكاسب التي حصلت عليها الولايات المتحدة عند غزوها للعراق، ليسارع آخرون يساندون سياسات أوباما بالرد قائلين إن من وضع العراق على المسار الخاطئ في الماضي عليه التزام الصمت في الحاضر.
تميز الرئيس أوباما عن الرؤساء الذين سبقوه، بالحذر الشديد من الانزلاق في مغامرة قد يترتب عليها تجنيد مواطنيه للذهاب والقتال خارج الأراضي الأميركية، فقد أنهى عقداً من الحروب التي تورطت فيها بلاده، وهو الآن يواجه اختباراً صعباً لأنه أمام مجموعة من الخيارات ليس خيار الحرب ببعيد عنها، إلا أن من المستبعد أن يذهب إليه.
الولايات المتحدة تتزعم الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب، إلا أن استراتيجية هذه الحملة قد اتخذت مساراً جديداً منذ مجيء أوباما لسدة الحكم، فهو الذي قرر أن بلاده لن تقوم بدور الشرطي الدولي وترسل قواتها إلى مكان الإرهابيين للتصدي لهم، بل تعمل شريكاً مع الحكومات التي تتعرض للإرهاب. وهي استراتيجية تتطلب تقديم الخبرات والمعلومات الاستخبارية التي هي صاحبة القدح المعلى فيها، أما الخسائر المادية والبشرية التي تترتب على الدخول في عمليات كهذه، فالحكومات المعنية وشعوبها هي التي تتحمل ذلك.
أوباما كما يبدو قد لجأ لخيار منتصف الطريق في مقاربته لما يجري في العراق، خيار توازن لا يخل بالالتزام بمبادئه، فهو لا يستطيع أن يقف متفرجاً مع تفاقم دور»داعش« الذي أصبح يهدد مصير دول، ولا يستطيع في الوقت نفسه أن يذهب إلى نهاية الطريق ويعيد إرسال الجنود الأميركان وأجهزة المخابرات إلى البلد الذي لا مواطن أميركياً يختار الذهاب إليه. لكن خيار منتصف الطريق هذا يتخذه على دفعات كل واحدة منها على خجل، فقد قرر إرسال عدد من الخبراء لتقديم الاستشارات ولزيادة الحماية لسفارة بلاده في بغداد.
فالولايات المتحدة غير متحمسة لتقديم المساعدة وفق الرؤية العراقية، فهي لن تصعد من دورها إلا بعد أن تكون قد حصلت على خارطة توزيع القوى الثائرة، وتتمكن من تشخيص وضع قوات داعش وحجم دور هذا التنظيم في الأحداث، كي تتلافى حساسيات الدخول في التصدعات المجتمعية وتصعيد الموقف مع قوى أخرى لا تصنفها في خانة الإرهاب. فالطائرات الأميركية تمسح الأجواء العراقية، جامعة معلومات استخبارية حول ذلك.
ولكن الضغوط الداخلية على الرئيس الأميركي تتزايد مع التصعيد في الموقف الروسي، إذ إضافة إلى الدعم السياسي والدبلوماسي الذي قدمته موسكو لبغداد، سارعت إلى تسهيل حصول العراق على عشر قاذفات من طراز سوخوي 25، ملفتة بذلك أنظار المسؤولين العراقيين إلى تلكأ الحليف الأميركي في تجهيز العراق بطائرات إف 16 المتعاقد عليها، وأعربت عن استعدادها لإرسال مستشارين للعمل جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة العراقية.
وهو ما اعتبرته صحيفة نيويورك تايمز بمثابة توبيخ للولايات المتحدة. كما جاءت التصريحات الإيرانية الأخيرة عن إمكانية قيام إيران بالتدخل في العراق، لتزيد من مخاوف الصقور في المؤسسة السياسية الأميركية من تنامي دور محور موسكو - طهران في المنطقة على حساب الدور الأميركي، خاصة في العراق الذي تربطه مع الولايات المتحدة اتفاقية أمنية.
هذه الضغوط قد تدفع الرئيس أوباما إلى اتخاذ خطوات أخرى تنسجم مع رؤية إدارته، فهناك تباين كبير بين الموقف الروسي والموقف الأميركي فلكل منهما مدخله الخاص، المدخل الروسي هو تغليب الخيار العسكري على الخيار السياسي، في حين أن الموقف الأميركي أقرب إلى تغليب الحل السياسي. فهناك تصاعد ملحوظ في الضغوطات التي تسلطها الإدارة الأميركية على القوى السياسية، وخاصة على رئيس الوزراء، لإعادة النظر في مواقفها وإجراء تغييرات ملموسة في السياسات المتبعة. ولادة تنظيم داعش وغيره، مثل جبهة النصرة وتنظيمات مليشياوية أخرى هنا وهناك...
وتنامي قدرات هذه التنظيمات رغم ما اتخذ على مستوى عالمي من إجراءات وقائية، لم تتوقف عند مطاردتها وتصفية عناصرها جسدياً بل تجاوزت ذلك إلى تجفيف مواردها المالية وإحكام الطوق المخابراتي حولها، هذا التنامي يستوجب التوقف ويدعو للتساؤل حول جدوى الاستراتيجية المتبعة في مكافحة الإرهاب. فهذه الاستراتيجية لم تفشل في القضاء على هذه التنظيمات أو إضعافها فحسب، وإنما سمحت بتوسعها وزيادة قدراتها واتساع مساحة الحواضن لها. ظاهرة الإرهاب ترتبط بالخلل في النظام الإقليمي السائد في منطقة الشرق الأوسط، والذي ساهمت الولايات المتحدة في زيادة حجمه، حين وضعت مبدأ المحاصصة الإثنية والمذهبية قاعدة للعبة السياسية في العراق.