يقبل شهر رمضان المبارك ويقبل معه الخير والسلام من أرض السلام إمارات الخير، كيف لا وإنها على مدار تاريخها، ومنذ نشأة الاتحاد، لم تنسَ يوماً دورها تجاه أمتها العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، في نشر الخير، وزرع الأمل في النفوس، من تطبيب الجروح وإغاثة الملهوف وإمداد يد العون للأخ والصديق.. لم تنكفئ يوماً على ذاتها، ولم تضن بما وهبها الله من خير مادي أو جوانب تنموية ناجعة ليستفيد منها الغير، وبذلك سكنت محبة الإمارات قيادة وشعباً في قلوب شعوب الأرض قاطبة، وأينما تولِّ وجهك تجد آثار الخير وآيات العطاء وقبلها محبة لتاريخ من العطاء قامت به الإمارات، ليس من باب المن ولكن لالتزام إنساني حملته على عاتقها مؤمنة به ومصرة عليه.

ومبادرات الخير، التي ينطلق نورها من أرض الإمارات، ليضيء سناها ربوع من حولها وما بعد عنها، أكثر من أن تحصى، إلا أن أحدثها وأقربها، ولا أقول آخرها، تلك المبادرة العبقرية «سقيا الإمارات»، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لتوفير مياه الشرب لخمسة ملايين شخص حول العالم، بحفر الآبار وتوفير المضخات وتزويد المناطق المحتاجة بأدوات تنقية المياه.

إن سقيا الماء تعني في جوهرها أن يتوفر لكل إنسان الماء النقي الذي يحترم آدميته، فهو حق من الحقوق التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم «الناس شركاء في ثلاث..» منها «الماء»، والشراكة هنا لا تعني قسمتها بينهم فحسب، ولكن تتعدى ذلك إلى المسؤولية الاجتماعية والإنسانية، وهذا هو جوهر ديننا وقيمنا وثقافتنا العربية الأصيلة، التي تعرف قيمة المياه وأثرها.

إن من عانى من شح المياه هو من يعلم قيمتها ويستشعر حاجة غيره إليها، وضرورة مساعدتهم في الحصول عليها، وهو أهم أوجه شكر النعمة التي بها تدوم، والله عز وجل يقول في محكم التنزيل ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ))، وشكر النعمة يعني بذلها للغير دون الاستئثار بها والضن على من يحتاج يد العون، وهو من أركان سياسة دولة الإمارات على مدار تاريخها، وآثار ذلك شاهدة خالدة.

إن شح الماء وندرته هي الصراع القادم في العالم، فمن يملك الماء يملك أسباب الحياة، وهي قضية غير متعلقة بالإنسان كونه إنساناً، بل هي متعلقة بالتنمية. يروي لي أحد الأصدقاء أنه قُطع به الدرب في إحدى رحلاته البرية، ونفد ما معه من ماء للدرجة التي جعلته على شفا الموت، وإذ به يجد من يمده بكوب صغير من الماء، فيقول: شعرت بأن الروح تدب في جسدي، وأني أغنى أغنياء الأرض، وأن السعادة تسري في جسدي.

كما أن ما نشاهده في بقاع الأرض ممن يشربون من مياه البرك والمستنقعات وخزانات المرض والموت، يجعلنا نتوقف كثيراً أمام الأبواب التي يجب أن نركز على تنميتها، والله سبحانه وتعالى يقول: (وجعلنا من الماء كل شيء حي).

وهناك من يسيرون على الأقدام عشرات الأميال لكي يحصلوا على بعض الجالونات من المياه، كما أن التقارير الدولية تؤكد أن النسبة الأكبر من المصابين بأمراض الفشل الكلوي ترجع إلى تلوث المياه، حيث بلغ عدد الذين لا تتوافر لهم المياه الصحية النظيفة حول العالم 880 مليون شخص، وأن الخسائر التي يسببها الجفاف في النفوس والثمرات والبيئة، أكثر مما تحصده وتدمره الحروب على قسوتها، ذلك أن 90% من 3.6 ملايين شخص تحت سن الخامسة، يموتون سنوياً بسبب العطش وبسبب أمراض ناجمة عن تلوث المياه.

كما أن سقيا الإمارات لن يتوقف أثرها عند ري الإنسان وإطفاء ظمأه، ولكن تتعدى ذلك للدواب والأنعام والزروع. ولا أبالغ إذا قلت إنه في بعض المجتمعات قد يقدم الفرد ما يحصل عليه من ماء لدوابه قبل نفسه، لأنها مصدر رزقه وحزنه عليها عظيم إذا أصابها مكروه، ألم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «وفي كل كبد رطبة أجر».

وفي تقديري أن قوة مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تأتي من أنها تتعامل مع مسببات الحياة وضروراتها لكي يحيا الإنسان، فقد يصبر الإنسان على الجوع لأيام ولكنه لا يصبر على فقد الماء، وقد يتحمل الإنسان ما به من أمراض وعلل لسنوات، لكنه يفقد روحه حين لا يجد الماء، ولو كان صحيح البدن قوي البنية، فالماء هو الحياة، كما أنها من المبادرات الضخمة من حيث حجم المستفيدين منها، وهو نهج اعتادت عليه دولة الإمارات، لأنها تتعدى الملايين، وهو ما يجعل منها مبادرة تحمل رسالة حقيقية واقعية، وليست رسالة دعائية إعلامية وإلا كان لها شكل ومنهج آخر، وهو لم يكن يوماً نهجاً لمبادرات إمارات الخير.

فضلاً عن أن القيمة التربوية لهذه المبادرة لا تقل عن أثرها المادي والإنساني، من جانبين مهمين: أنها تلفت نظر واهتمام المنظمات الأهلية والدولية المهتمة بمكافحة الفقر والجوع ومساعدة الشعوب، إلى المشكلات التي تستحق أن تكون لها أولوية على قائمة اهتماماتها، فليس من المقبول أن تبقى شعوب في القرن الحادي والعشرين تصارع من أجل قطرة مياه، ويقف العالم وما توصل إليه من علم وحضارة وتكنولوجيا ورفاه، موقف المتفرج أو المتعاطف دون أن يتخذ إجراءات مؤثرة على أرض الواقع، كما أنها ترسخ قيمة تربوية لدى كل فئات المجتمع وهي العطاء والبذل، وخاصة عندما يكون هذا العطاء سياسة دولة وحالة عامة تشيع بين ربوع الوطن.

واللافت أنه في الوقت الذي ينظر المرء عن يمين خارطة العالم فيجد الدمار والحرب، وعن يساره فيجد الصراع والاقتتال، وفي ظل هذه الحالة التي تصيب الكثيرين بالإحباط والتشاؤم من المستقبل، يجد أن هناك من تسامى على كل ذلك لينير للعالم المتألم ضوءاً في هذا النفق المظلم، وليؤكد أن اليد الحنونة الطيبة ستظل أبقى وأنجع من كل طلقات الرصاص وما تخلفه الفوضى والحروب، ولتبقى سقيا الخير من عاصمة الخير.