تحت عنوان مفزع هو «الجاليات اليهودية في خطر»، أشارت صحيفة هآرتس الاسرائيلية في العاشر من يونيو الجاري الى كثير من حوادث العنف؛ التي تعرض لها اليهود في غير مكان ومناسبة. استغلت الصحيفة حادثة اطلاق النار على بعض زوار المتحف اليهودي في بروكسل يوم 11 مايو الماضي، كي تعيد للأذهان الوقائع المشابهة التي جرت خلال الثلاثين عاما الأخيرة .

وكان ضحاياها من اليهود، في كل من بيونس أيرس وتونس واسطنبول وباريس وغيرها. دارت الفكرة المحورية بهذا الخصوص، حول تنسيب الاعتداءات المذكورة إلى جماعات «شرق أوسطية»، كحزب الله والقاعدة وبعض المنظمات الفلسطينية وأفراد منفلتين من «أولئك الذين انضموا الى عصابات الجهاد المشاركة في القتال في أفغانستان وباكستان وسوريا وعادوا الى الدول الأوروبية».

بعد التأسيس لهذا الاتهام، الذي يرمي فلسطينيين وعربا ومسلمين بالإرهاب، ويجعل اليهود أينما كانوا ضحايا، ينتقل محرر هآرتس الصهيوني الى استدراج هؤلاء الضحايا نحو الهجرة الى إسرائيل، بحسبها ملاذهم الآمن والتاريخي من حياة الخوف بين الأغيار.

غير أن محرر هآرتس أنشأ رسالته الخبيثة هذه على مقدمات مغلوطة ونتائج غير منطقية، فهو لم يمد خيوط التحليل الى منتهاها ولا أثار أسئلة يفرضها السياق. لقد تحدث عن تصرفات هوجاء يضطلع بها متطرفون، فلسطينيون وعرب ومسلمون، تطارد اليهود أينما كانوا، كظاهرة منبتة الصلة بأي أسباب ومعطيات وحيثيات.

وعليه، نبدو والمتلقين عموما أمام حالة من الهوس الطبيعي أو الفطري لاقتراف العنف والارهاب، من جانب أناس بعينهم ضد أناس آخرين بعينهم. معظم المقاربات الصهيونية، الساعية الي تشجيع يهود العالم علي الهجرة الى «أرض الميعاد»، أخذت تاريخيا بهذه المنهجية العبثية. ولعل التغير لحق فقط بمحور الأعداء. فبعد أن كانوا من الروس أو الأوروبيين النازيين والفاشيست، صاروا راهنا من الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

وفي عكوفهم على هذا المنوال، لا يلحظ أصحاب هذه المنهجية من الصهاينة المعاصرين، أن الاستماتة من أجل حقن مشروعهم الاستيطاني بمزيد من المهاجرين اليهود، مع احتفاظ هذا المشروع بخصائصه العدوانية والعنصرية المتطرفة، هي في حد ذاتها من أهم أسباب تبلور نزعات التطرف لدى مقاوميه من الفلسطينيين والعرب والمسلمين ضد بعض اليهود. نحن في هذا الاطار بصدد دائرة مغلقة لعينة رسمت بفعل الفكرة الصهيونية وتطبيقاتها. فمزيد من الحرص الصهيوني على استقطاب اليهود وحشرهم في اسرائيل..

بالإضافة الى مزاعم هذه الدولة بأنها مثابة لليهود وممثل لهم، وسواء هاجروا اليها أم لم يهاجروا، هذا كله يجعل اليهود هدفا لمن لا تمكنهم ملكاتهم العقلية من التمييز بين الصهاينة واليهود أو حتى بين يهود ويهود. محرر هآرتس ومن على شاكلته لم يكلفوا خواطرهم ولا شغلوا أنفسهم بالتأمل في مثل هذا التعميم.

يحدث هذا عن دراية وتعمد، لأن من يؤرقهم وجود خطر على الجاليات اليهودية، لا بد أن يتحروا أسباب هذا الخطر ومبرراته. وهم لم يتساءلوا عن هذه الأسباب ولا تدارسوا صلتها بالمشروع الصهيوني من الأصل وبسلوكيات اسرائيل وسياساتها الارهابية. أكثر من ذلك، أنه حين يتطوع بعض هؤلاء المؤرقين للبحث عن كيفية تجنب الأخطار المحدقة بالجاليات اليهودية، فإنهم لا يغادرون مربع الحلول الأمنية والاستخبارية.

هذا ما فعله محرر هآرتس، الذي يقترح على أجهزة الأمن في الدول التي تضم هذه الجاليات، تحديد المواقع التي يعود اليها المجاهدون من سوريا وتعقبهم واصطيادهم. وفي غضون الاستعصام بهذه العقلية أحادية الجانب الأمني، يجري إغفال الحلول الأكثر نجاعة ووجاهة وجدوى في الأجل الطويل. تلك الحلول القائمة على اتباع الصراط الحقوقي والسياسي المستقيم، واعمال دولة القانون والنظام..

الشاهد عموما، أن الاسرائيليين يعمدون الى تخبئة الدور الذي تضطلع به دولتهم في اذكاء العنف والارهاب، الذي وقع بعض أبناء «الجاليات اليهودية» ضحية له. وهم يستعيضون عن ذلك بتحريض المجتمعات الأخرى، على محاكاة اسرائيل، التي تستهلك جل وقتها وجهدها ومواردها في مجابهة الأشواق التحررية الفلسطينية بالقبضة الأمنية. وبذلك فإنهم يسوقون هؤلاء الآخرين الى المضي في الطريق الذي فشلوا هم أنفسهم فيه. فبئس الناصح وبئس النصيحة.