عندما تقرأ هذه الصحيفة فإنّك في الغالب تكون إمّا أنّك تستعد للبدء أو قد انتهيت للتو من معركة عربات التسوّق في السوبر ماركت وقد خرجتَ مُجْهَد القوى ومُستنزَف المحفظة، لكن يُهوِّن عليك لأواء تلك الحرب الضروس أنّ الأكياس تعج بما لذّ وطاب من الطعام والشراب، فخطتنا «الاستراتيجية» في التعامل مع شهر رمضان لا تتغيّر : «نتغدى فيه قبل ما يتعشى فينا».
تمر بنا الشهور مروراً هادئاً كما يُفترَض في الأصل، حتى إذا أتى رمضان انطلقت صفارات الإنذار وكأننا سندخل إلى ملاجئ لمدة طويلة، وبدلاً من أن يكون تنافسنا فيه كما هو متوقع في العبادة والطاعة والإحسان للفقراء الذين بِتنا نشاطرهم إحساس الجوع ووجع الحاجة للضروريات يكون تنافسنا لتكديس أكبر كمية من الأطعمة في الثلاجات.
ولو آل الأمر لنا لربما نقلنا السوبر ماركت بما فيه ومن فيه إلى المنزل، وعند الإفطار ترى أطباقاً لا تُعد ولا تُحصى من المأكولات التي تكفي ربما لإنقاذ شعب الصومال من مجاعته ومع هذا تسمع صوتاً غاضباً: «ليش ما طبختوا لي اللي خبرتكم عنه؟»
يمر بنا رمضان شكلياً فقط، أما فعلياً فلم يمر بأغلب البيوت منذ سنين طويلة، فرمضان الذي اغتيل سابقاً بفوازير نيللي وشيريهان و «شِلّتهما »، أصبح يُقرَن زوراً بعاداتٍ نخجل منها في بقية الشهور فما بالكم بشهر العبادة، فصفحات الجرائد تعج ببشارات افتتاح الخيمة الرمضانية في الفندق الفلاني حيث أجود أنواع الأطعمة والمشروبات على نغمات الموسيقى العربية «الأصيلة» والتي لا يطيب نفث دخان «المعسِّل» إلا على عزفها حتى يكتمل الأجر ويعتدل المزاج!
يتواصل استقبالنا الاستثنائي لرمضان وأنت تستمع لنقاشات الشباب «المتشوّقين للطاعات» وهم يستفسرون عن أفضل المساجد لصلاة التراويح فيها، ليس بحثاً عمّن يملك صوتاً عذباً ويختم القرآن ويقرأ جزءاً كاملاً كل ليلة، ولكن عمّن يصلي بسرعة خرافية تصلح أن تكون معسكر إعداد لفرقنا الرياضية لرفع معدلات اللياقة خلال ثلاثين يوماً فقط مما سيوفّر على أنديتنا ميزانيات كبيرة لمعسكرات أوروبا!
رمضان هو شهر الرحمة، ولكننا نرى فئة موتورة في دول الجوار لا تعرف عن الرحمة شيئاً وقد انسلخت من الدين وهي تدّعيه ويتباهى أعضاؤها بقتل المسلمين بحجة أنهم مرتدون، ليمر ببالي حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : «قومٌ يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين مروق السهم من الرَّمِيّة، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُم قَتْلَ عاد»
ورمضان هو شهر التسامح وإصلاح ذات البين، وفينا من يزداد لجاجة وتشنيعاً على اخوانه وفجوراً في الخصومة وحيك المؤامرات عليهم دون كلل، وكأنه غير معني بقول النبي صلى الله عليه وسلم :
«والله لا يؤمن، و الله لا يؤمن، و الله لا يؤمن» قيل : من يا رسول الله؟ ، قال «الذي لا يأمن جاره بوائقه»، فأين هذا البعض من هذا الحديث أم أنّهم غير معنيين بالخطاب فيه ؟ وأي زرعٍ يبذرونه اليوم بثقافة الكراهية هذه وأيّ نتاج ينتظرون حصاده في قادم الأيام ؟ الناس قد تنسى الإحسان لكنها لا تنسى الإساءة إليها وغداً أخشى أن نقول لذلك الجار : «يداك أوكتا وفوك نفخ »!
سيمر رمضان ونحن نتبارى في التنافس على مشاهدة أكبر قدرٍ من مسلسلات الأمراض النفسية التي تعجّ بها شاشات التلفاز والتي كان آخرها يتحدث بوقاحة وجرأة عن نكاح المحارم، أجلكم الله، لنعرف مقدار العفن الذي يسوقه لنا البعض المريض تحت ستار الفن والطرح الواقعي..
وستنقضي أيامه ونحن نتسابق لتفصيل ثياب العيد وتصميم «صياني شوكليت» تصبح حديث المدينة، وستنطوي لحظاته المباركة وبعضنا لا يعرف من الكلام إلا الصراخ و«هزب» الطبّاخ المسكين حتى ينوّع أكثر على مائدة الإفطار «انزين والشعور بالفقراء وين راح !»
يذكرنا رمضان ربما بكل شيء: الطعام المنوع والشراب المختلف «سلموا لي على الفيمتو» والجلسات «الفرفوشية» وألوان زينة الشوارع والمجمعات التجارية الجميلة والإعلام المرئي الذي يكون «شاد حيله» على الآخر في هذا الشهر، والشيء الوحيد الذي نفتقده فعلاً هو رمضان نفسه. نفتقد الحس الايماني والقرب من الله ولذة مناجاته، ونفتقد الشعور بالفقراء والمحتاجين ومن قلبت له الدنيا ظهر المجن.
ونفتقد شكر نعم الله علينا، وكم حمدنا الله أنّ أُطلِقَتْ مبادرة «سُقيا الإمارات» لإغاثة خمسة ملايين إنسان حول العالم بتوفير مياه الشرب الصالحة لهم لتكون تذكيراً لنا جميعاً بأهمية الإحساس بالآخرين والمبادرة بمد يد العون لهم، و لنعاهد أنفسنا أن نعيد لرمضان شيئاً من بريقه فقد اختنق سابقاً بفوازير الراقصات، فلا تدعوه الآن تحت رحمة المعسّل والمسلسلات!