كأنك يا صاحب السمو حين تطلق مبادرتك الرمضانية السامية «سقيا الإمارات» تغوص في قلوب الإماراتيين لتأخذ منها أنبل ما علّمنا إياه زايد، وواظبتم يا كوكبة الخيّرين من القادة؛ خليفة بن زايد ومحمد بن راشد وإخوانكما، على حثنا عليه وتجذيره في نفوسنا وأعمالنا.
وكأنك، يا سيدي، وأنت توجه مسار العمل الخيري هذا العام نحو سقيا الماء تقول للإماراتي قبل غيره: تذكر يوم كنا في صحراء لا ماء فيها ولا زرع، أما وقد أفاض الله علينا من فيئه، فلعل الماء يكون واحدة من أعظم وسائل القربى لله تعالى في شهره المعظم وطرق الشكر والحمد على ما أنعم سبحانه وتفضل.
وكأنك، يا أبا راشد، تؤم جموع الإماراتيين وهم يقفون على أبواب رمضان بين يدي ربهم متضرعين خاشعين. دعاؤك ودعاؤهم: يا رب، كما أخرجتنا من الظمأ والضنك إلى يُسر الحياة وريها، ها قد جئناك طائعين خاشعين نتقرب إليك في شهرك الأقرب إليك، بقطرات ماء نسألك أن تكون في أفواه العطشى سلسبيلاً صافياً، وفي ميزان حسناتنا يوم نلقاك عملاً خالصاً لوجهك الكريم، تقبله منا وترحمنا برحمتك وعفوك وفضلك يا أكرم الأكرمين.
ها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، يواصل مشوار المبادرات الرمضانية الخيّرة بإطلاق مبادرة سقيا الإمارات التي تهدف إلى توفير الماء الصالح للشرب لخمسة ملايين إنسان قربى إلى الله، مع إطلالة شهر رمضان الفضيل، وهدية ود ومحبة من الإمارات إلى العالم، تجدد التأكيد أننا في هذه الدولة المباركة نعلي من شأن الإنسان، بغض النظر عن عرقه أو لونه أو معتقده، طالما أنه إنسان خلقه الله تعالى، نتقرب إلى خالقه وخالقنا بحفظ إنسانيته، ومساعدته على الاستمرار في مواجهة الحياة وتحدياتها.
والمتابع لمبادرات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يلحظ فيها أمراً مشتركاً لا تخطئه العين، ألا وهو التركيز على القيمة المضافة التي تسعى لتحسين نوعية حياة الفئات المستهدفة.
نحن هنا لا نتحدث عن الترف والرفاه المادي، فبعض هذه الفئات المستهدفة هم في أوضاع تعتبر الحياة بحد ذاتها نوعاً من الترف، لكن تركيز صاحب السمو على تحسين نوعية الحياة يكتسب أهميته من تقدير سموه للحياة بحد ذاتها، وما علّمنا إياه ديننا الحنيف وشريعتنا السمحة من تقدير الإنسان وتقدير الحياة. ومن الثابت لدى كثير من فقهاء الإسلام، متقدمين ومتأخرين، أن حفظ النفس والمال والعرض هو من مقاصد الشريعة الواجبة، لتحقيق ما يعرف في المصطلحات المعاصرة بالحق في الحياة الكريمة.
ولعل الناظر في تصريحات سموه وتعليقات أبناء الإمارات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يدرك أنه لا صاحب السمو ولا أبناء الإمارات طرحوا أسئلة عن دين أو عرق أو هوية من يستفيدون من هذا المشروع العالمي الرائد، تماماً مثلما أن مبادرات سموه في الأعوام السابقة لم تقف عند هذه الأسئلة ولم تلقِ لها بالاً. فصاحب السمو، ومعه شعبه، «تسمو» نفوسهم عن النزول إلى الصغائر، عندما يتعلق الأمر بعظائم العطاء، والمبادرات الكبيرة التي تهدف إلى خدمة البشرية كلها.
وهذا، لَعمري، هو جوهر الإسلام السمح. وجوهر ما علمنا إياه الرحمة المهداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الشريف أنه «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ » (رواه البخاري ومسلم)، ولا نجد في ديننا الحنيف أي اشتراطات للرحمة والتراحم وعمل الخير سوى صدق النية وإخلاصها لله عز وجل.
ولعل صاحب السمو وهو يعلن عن هذه المبادرة السامية، معنى وهدفاً، إنما يواصل بذلك تقليده الذي أطلقه منذ سنوات، من خلال إطلاق مبادرات إنسانية مرة مع بداية رمضان، ومرة في ذكرى تسلم سموه مسند الإمارة، وفي كل فرصة سانحة أخرى، وهذا إنما يكشف من أي معدن أصيل جُبل هذا الشيخ الفارس. فالزعيم الفلاسي، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، ورث المروءة والشهامة والكرم وطيبة النفس كابراً عن كابر، فلا ترد سيرة آل مكتوم الكرام إلا ويرد معها ذكر العطاء والكرم والخير.
وسواء تحدثنا عن مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الإنسانية أو مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم التي أسست كحاضنة لمبادرات سموه التعليمية، أم مبادرتي نور دبي ودبي العطاء، فمن الصعب في كلمات قليلة مثل هذه أن نفي سموه حقه، وهو العلم المجلي في العطاء، لا يشق له غبار، سواء بحجم ما يعطي أو بنوعية ما يخطط له من عطاء، ولا يضيرنا هنا أن نقول ما يعرفه كثيرون، وهو أن «المعلن» من عطاء سموه أقل بكثير من «المكتوم»، فعندما يبتغي الإنسان وجه الله تعالى خالصاً صادقاً، لا يعود إلى التغطية الإعلامية الكثير من الأهمية.
وآل مكتوم الكرام سباقون للخير في كل أجيالهم، وها هي مبادرات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، تسير على المنوال نفسه كماً وكيفاً، أما سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي، وزير المالية، راعي هيئة آل مكتوم الخيرية، فلله دره، وهو الذي عقدت قمة أفريقية خاصة، حضرها خمسون رئيس دولة لتكريمه، تقديراً لجهوده الخيرية في القارة السمراء.
وغني عن البيان أن دولة الإمارات العربية المتحدة ذات سجل ناصع في هذا المجال، منذ عهد مؤسسها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي تمر علينا في منتصف هذا الشهر الفضيل الذكرى العاشرة لرحيله عن دنيانا الفانية إلى جوار ربه الرؤوف الرحيم.
فقد كانت مبادراته، رحمه الله رحمة واسعة، تشمل حياة الناس ككل، ولذلك لم يكن مستغرباً أن نجد في كثير من البلدان مدناً متكاملة باسم الشيخ زايد، مثل مدينة زايد في مصر ومدينة زايد في البحرين وغيرهما، لأنه كان حريصاً على التعامل مع الناس ضمن منظور حياتي متكامل، يدرك أن هبة مالية بسيطة قد تسد حاجة عابرة، لكنها لا تغير الكثير في حياة من يتلقاها، فكان، رحمه الله، حريصاً أن يقدم ما يغير حياة الناس إلى الأفضل، بدلاً من الاكتفاء بتحسين حياتهم يوماً أو يومين فقط.
بل إنه حتى الاستثمار في خارج الدولة أصبح يتضمن أبعاداً إنسانية وخيرية مهمة، وما زلنا نذكر توجيهات سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، بأن تكون المشروعات الاستثمارية التي تقيمها الصناديق السيادية في الخارج قائمة على أساس الجدوى الاجتماعية والثقافية، وليس الجدوى الاقتصادية والربحية فقط.
وهكذا هي الإمارات.. تمضي بفضل الله من نجاح إلى نجاح في الحياة الدنيا، ومن طاعة إلى طاعة في تقوى الله، وها هو رمضان على الأبواب يدعونا إلى أن نلبي دعوة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، بأن نشاركه هذه الصدقة الجارية التي أطلقها سموه باسم الإمارات، وهو يذكّرنا جميعاً بما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حفر ماء لم تشرب منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة» (رواه البخاري في تاريخه وصححه الألباني في صحيح الترغيب و الترهيب).
وبعد، فيا أيها الإماراتيون والإماراتيات: حي على أفضل الصدقة.
كاتب إماراتي