تحتل الأحداث التي تجري في العراق مراكز الصدارة في عناوين الصحف، وتشغل مساحة واسعة من نشرات الأنباء في معظم الفضائيات. وقد اختلفت التحليلات حول أسبابها، وفي توقع مساراتها.
وفي النتائج التي ستترتب عليها على المستويين المحلي والإقليمي، ودورها في إذكاء الحرب الباردة بعد أن دخل الرئيس الروسي على الخط معرباً عن اصطفاف روسي إلى جانب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. إلا أن أياً من التحليلات والتوقعات لا يترك مساحة للتفاؤل بمستقبل هذا البلد، فجميع الحلول المتوقعة ليست سالكة تماماً، بل تكتنفها الصعوبات والعراقيل بدرجات متفاوتة، إلا أن أقلها ضرراً هو تراجع قادة العملية السياسية عن مواقفهم المتشددة، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني انتقالية ذات طابع مدني من عناصر التكنوقراط ذوي المهنية العالية.
فقد حمل العدد الأخير من مجلة «تايم» الأميركية على غلافه، خارطة العراق تندلع النيران في حدوده الغربية، وقد كتب وسط الخارطة وبالخط الكبير «نهاية العراق». التقسيم أحد السيناريوهات المحتملة لكنه ليس السيناريو الوحيد لمآل الوضع العراقي، فمن المستبعد أن عراق ما بعد العاشر من يونيو سيكون كما كان قبله.
والحقيقة أن ما يجرى في العراق هو تحصيل حاصل لتراكمات كثيرة، تعود إلى عدة عقود ولسياسات التفرد والديكتاتورية وغياب الرؤى السديدة، وضعف الانتماء للعراق، خسر العراق من جرائها الكثير وانعكست على وضعه الداخلي وموقعه الإقليمي.
وإذا كانت هذه الأحداث قد فاجأت من يحكم العراق وبعض دول الجوار، وهي فرضية قد لا تكون في محلها، إلا أنها بكل تأكيد لم تفاجئ الولايات المتحدة التي ما زال لها حضور لا يمكن تجاهله، رغم أن قواتها قد انسحبت من العراق في ديسمبر 2011، فهي ترصد ما يجري فيه بكل دقة. وردود الأفعال الأميركية تعكس أنها لم تفاجأ..
وكان واضحاً من خطاب الرئيس باراك أوباما أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكرياً، ما لم يكن هناك تحرك سياسي عراقي لتشكيل واقع سياسي جديد لا يهمش أحداً. والحقيقة أن خطاب أوباما بقدر ما هو رسالة ضغط على قادة العملية السياسية موجهة إلى المالكي بالدرجة الأولى، فهو في الوقت نفسه اختباراً للنوايا الحقيقية لهؤلاء، كي يكون مبرراً لموقف مائع جديد في السياسة الخارجية لإدارة الرئيس أوباما.
أحداث العراق تأتي في سياق ينسجم مع أحداث أخرى في المنطقة العربية، في سوريا ولبنان واليمن وليبيا، تؤشر نحو هدف واحد يُراد إيصاله للرأي العام العالمي، وهو صعوبة بقاء الأوضاع كما هي في هذه البلدان، وصعوبة استمرار مكونات كل بلد منها بالعيش مع بعضها.
مضى ما يقرب من قرن كامل على اتفاقية سايكس بيكو، التي رسمت المعالم الجغرافية للمنطقة، في صفقة لم تأخذ في الحسبان التوزيعات السكانية المتنوعة الانتماءات والجذور، إلا أن ذلك لم يمنع التعايش بين مكونات هذه الدول ونشوء صلات اجتماعية وعائلية وثيقة بينها، ضمن صيغ مختلفة حفظت السلم الأهلي بشكل عام، رغم ظهور صراعات لم ترقَ في حدتها وسعتها إلى المستوى الذي يهدد السلم الأهلي، عدا لبنان الذي انفرد بصيغة حكم خاصة به، عبر توافق ماروني - شيعي سني، أثبت مدى هشاشته وعجزه منذ تأسيس الدولة اللبنانية وحتى الحال الحاضر.
في هذا السياق قد يكون من الموضوعية التطرق إلى ثنائي «التوحد التشظي»، وعن الظروف التي جعلت الركن الثاني من هذا الثنائي يطغي على ركنه الأول، ما سهل تحول هذا التنوع الفسيفسائي في المجتمعات قومياً دينياً مذهبياً، إلى قنابل موقوتة بدأت تتفجر هنا وهناك. هناك أسباب موضوعية عملت على تغيير المناخ العام في هذه المجتمعات الفسيفسائية، أبرزها تراجع الدور السياسي للقوى التي تبنت مشروعات كبيرة وطموحة. فقد تراجع مناخ التوحد الذي رافق تأسيس هذه الدول...
حيث سادت الأفكار التي تُروج للمشاريع العروبية واليسارية، وهي مشروعات ليست لها خلفيات خلافات عميقة تضرب بعيداً في جذور التاريخ، لصالح مناخ التشظي الذي يرافق صعود قوى تتبنى الأفكار التي تروج للمشاريع ذات الطابع الديني، التي أصبحت تطرح بقوة في الشارع العربي، ويوظف في ذلك وبقوة من يعتاش على قيح التاريخ وأدرانه.
اكتسبت اتفاقية سايكس - بيكو شرعية دولية حين أصبحت دولها أعضاء في المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، فهل سنشهد قريباً تمزيق تلك الاتفاقية بقرارات دولية؟ فالتقسيم ليس خياراً يمكن الذهاب إليه بسهولة دون دراسة ما يترتب على ذلك، خصوصاً في بلد كالعراق ليس من السهل الفصل جغرافيا بين مكوناته.
فمن الذي يقرر أن العراقيين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في العيش مع بعضهم؟ أهم لوردات الطوائف أم قادة المليشيات أم النخب السياسية الفاسدة أم هذه الدولة المجاورة أو تلك؟ أم أن ذلك قرار يتخذه المواطن العراقي في ظروف هادئة لا تخيم عليها أجواء الفساد والقتل والدمار؟
إن عمليات التقسيم التي تحظى بقبول الأسرة الدولية، تجري عادة في سياق تطبيق أحد المبادئ التي أسست في ضوئها منظمة الأمم المتحدة، وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفق سياقات حضارية لا تتم بين ليلة وضحاها. فقد شهدنا كيفية انفصال التشيك عن السلاف في القارة الأوروبية، ورأينا كيف انفصل جنوب السودان في القارة الإفريقية، وسنشهد في سبتمبر المقبل هل ستنفصل اسكتلندا عن المملكة المتحدة أم لا..