أبو مصعب الزرقاوي، أبو عمر البغدادي، أبو حمزة المهاجر، أبو محمد البغدادي، أبو محمد الجولاني، أبو مسلم التركماني، أبو علي الأنباري، أبو عمر التركماني.. قائمة طويلة من الآباء تطالعنا أسماؤهم، من خلال المشهد المزدحم بالجماعات، التي تسمي نفسها جهادية، وتفرض وجودها على الساحة، بعد انكسار شوكة تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، ونقل ساحة المعركة إلى بلاد العراق والشام..
حيث بدأت الموجة الثانية من «الربيع العربي» المزعوم، الذي نجح في إزاحة أنظمة عربية قائمة، منذ عقود، ونشر الفوضى في المنطقة، ووثوب بعض جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة، وعلو شأن الحركات التي تسمي نفسها جهادية، وتعلن أنها تسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية، وإعادة عهد الخلافة الرشيدة.
هؤلاء الآباء الذين قُتِل عدد منهم، أصبح لهم من السطوة والنفوذ، ما سحب البساط من تحت أقدام قادة «القاعدة» المختبئين في جبال تورابورا، الهاربين من ملاحقة القوات الأميركية لهم على الحدود الباكستانية- الأفغانية، فأصبح لهم من التأثير في المنضوين تحت تنظيماتهم المسلحة أضعاف ما لقادة «القاعدة» الباقين على قيد الحياة حتى الآن، أمثال الدكتور أيمن الظواهري، الذي فقد سلطته على هؤلاء الآباء وخفت صوته.
رغم الخطابات التي يطلقها من حين إلى آخر، التي تضمن له الظهور الإعلامي أكثر مما تعكس مقدرته ومقدرة التنظيم على إدارة هذه المجموعات المنبثقة من الفكر القاعدي، وإن كانت قد تجاوزت هذا الفكر بمراحل، وأصبحت أكثر منه حضوراً على الأرض، وأكثر تأثيراً، وأكثر عنفاً ودموية وقتلاً، وأكثر اقتراباً، كما تعتقد، من تحقيق حلمها بإقامة الدولة التي تحلم بإقامتها، وتَعِدُ بها المنضوين تحت راياتها السوداء، مستفيدة من حالة الفوضى التي تعم المنطقة، وفقدان الحكومات المركزية سيطرتها على الأوضاع في البلدان التي تحكمها.
كيف وصلنا إلى هذه الحالة التي لم يكن أشدّ المتشائمين يتوقع الوصول إليها؟ ولماذا ظهر كل هؤلاء الآباء في العراق على وجه الخصوص؟ وما هو الدور الذي لعبه الاحتلال الأميركي للعراق في نشوء هذه الجماعات وظهور هؤلاء الآباء؟ ومن الذي هيأ الظروف المناسبة لظهورهم وتنامي دورهم، حتى أصبحت لهم كل هذه السطوة وهذا النفوذ؟
أسئلة كثيرة من الضروري طرحها للوصول إلى تكوين صورة عما حدث ويحدث على الساحة العراقية، التي تسرق الأضواء هذه الأيام من بقية الساحات، ليس لحجم ما يحدث عليها فقط، رغم فداحة ما حدث في أرض الرافدين خلال العقدين الأخيرين، وإنما لدلالته وأهميته من جهة تكريس الفرز الطائفي، وتحول الخلاف من الأيديولوجيا إلى الدين، ومن الدين إلى الطائفة والمذهب، وتفعيله بين أبناء المذهب الواحد نفسه، وتقسيمهم إلى متشدد ومتسامح، الأمر الذي نراه أقصى ما يحلم به أعداء الأمة المتآمرون عليها، والكارهون لانبعاثها، والعاملون على تفريقها.
صورة لا شك في أنها كئيبة ومأساوية، لكنها الصورة التي لا يمكن الهروب منها، وهي صورة سوف تترك ندوباً كثيرة على جسد الأمتين العربية والإسلامية، ليس في المدى القريب فقط، وإنما في المدى البعيد أيضاً. وإذا كانت بؤرة هذه الصورة اليوم هي العراق وسوريا، فإن هذه البؤرة ستتسع وتطغى على المشهد كله إذا سمحنا لها بذلك.
والذين سيسمحون لها بذلك ليسوا هم عقلاء الأمة، ولا أصحاب الفكر الوسطي بطبيعة الحال، وإنما أصحاب الأفكار المتشددة، والطائفيون الذين يشعلون نار الحروب في المنطقة، والذي يؤسف له أن زمام الأمور الآن ليس في يد العقلاء الوسطيين، وإنما في يد الغلاة المتشددين والطائفيين، فهم الذين يشعلون الحروب..
وهم الذين يمدونها بالوقود، وهم الذين يرسمون الخرائط والحدود، وهم الذين يوزعون الأدوار، وهم الذين يشكلون المحاور، ويستقطبون القوى الكبرى، ويعزفون على وتر مصالحها. إنهم أمراء الحرب الجدد، الذين يستخدمون أتباعهم المضلَّلين والمغسولة أدمغتهم، لصنع أمجادهم الوهمية.
كل أطراف هذه المعارك صنائع جهات خارجية، لا نستثني منهم أحداً، سواء حدث هذه بشكل مباشر أو غير مباشر، وسواء شعروا هم بذلك أم لم يشعروا، وكلهم متآمرون بشكل أو آخر، لأن النتيجة هي تمزيق هذه الأوطان وتدميرها، بعد أن تحولت أراضيها إلى ساحات معارك، وهاجر أغلب ساكنيها، وانشغل من تبقى منهم بمعاركهم الداخلية..
وتركوا معركتهم الكبرى مع الفقر والتخلف، ومع الأعداء الخارجيين، الذين استطاعوا أن يصنعوا ويوظفوا من يحارب عنهم معاركهم ووقفوا هم يتفرجون ويناورون. لقد تجاوزت الأحداث تصنيف البعض للدول وتقسيمها إلى تقدمية ورجعية، وطغت نغمة الطائفة على الأمة، وعرف كلٌّ موقعه، وبدأت معركة كسر العظم التي نتمنى ألا تؤدي إلى كسر الوطن، وإن كان لم يتبق ثمة عظم في الوطن لم يتعرض للكسر.
لقد أصبحنا نعاني فيروسات «الآباء» التي تجتاح المنطقة هذه الأيام، أكثر مما نعاني فيروسات «كورونا» التي يبدو أن موجتها قد انحسرت لصالح موجة فيروسات الآباء الذين لم نعد قادرين على حفظ أسمائهم، ولا معرفة أشكالهم، ولا متابعة عدد الضحايا الذين يسقطون على أيديهم وأيدي أتباعهم، لكن السؤال الذي نطرحه هو: لماذا نشعر باليتم في وجود كل هؤلاء الآباء، ونفتقد الأمان الذي من المفترض أن نشعر به؟
والجواب هو أن هؤلاء الآباء لا يحملون من سمات الأبوة شيئاً، لأن أيديهم ملطخة بدماء المسلمين، الذين حرم الله دماءهم، تماماً مثلما هي محرمة الدماء التي تسفك بأيدي الطائفيين الجدد الذين يحشدون هذه الأيام، ويرددون نداءات تعيدنا أربعة عشر قرناً إلى الوراء، وكأننا لم نستفد من دروس التاريخ وعبره.