الحق في أن ننسى

 على غير عادته، لم يخف إريك شميدت، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمحرك البحث «غوغل»، خلال اجتماع الجمعية العمومية لمساهمي الشركة في مايو الماضي، انزعاجه من الحكم القضائي، الذي أصدرته محكمة العدل الأوروبية، حول القضية المرفوعة من الإسباني «ماريو كوستيجا» ضد «غوغل»، والتي طالب فيها بإزالة رابط لمقال منشور في جريدة إسبانية عام 1998، عن بيعه لبعض ممتلكاته بالمزاد العلني لدفع ضرائب حكومية مستحقة عليه.

ومن منظور المحكمة التي أصدرت الحكم، فإن مواطني الاتحاد الأوروبي لهم الحق في إزالة ومحو أية معلومات قديمة عن حياتهم الخاصة، سواء كانت حقيقية أو غير حقيقة، فالحق في الخصوصية ونسيان العامة بعض تفاصيل الحياة الخاصة للأفراد، يعلو على حق المجتمع في حرية تداول المعلومات الشخصية. واستندت المحكمة في حكمها إلى توجيهات الاتحاد الأوروبي الصادرة عام .

والمتعلقة بحماية البيانات والمعلومات الشخصية للأفراد، التي تضع الأطر الموضوعية والإجرائية الواجب اتباعها من قبل الشركات عند معالجة البيانات الشخصية. وتضع هذه التوجيهات الكثير من الالتزامات على الصفحات أو الشركات التي تقدم منتجاتها وخدماتها عبر الإنترنت، في حال قيامها بجمع معلومات متعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، وتضع قيوداً على الشركات التي تحاول بيع هذه المعلومات لشركات التسويق التي تلهث وراءها.

والمتحمسون لهذا الحكم يرون أن محركات البحث لطالما حصلت على أرباح خيالية من استخدام هذه المعلومات، دون دفع أية مبالغ للذين تنشر معلوماتهم الخاصة، فما الضير في أن تتكلف هذه الشركات بضعة ملايين من الدولارات، لإزالة روابط لأشخاص يرغبون في نسيان هذه المعلومات وإزالتها من محرك البحث؟ لكن الحكم تجاهل حقيقة أن محركات البحث تقوم فقط بجمع المعلومات الموجودة في المواقع المختلفة في الإنترنت.

ومن ثم أرشفتها وتبويبها في قاعدة بياناتها، وجعلها متاحة للمستخدمين أو المتصفحين، ولذا فإن محرك البحث يقوم فقط بفهرسة المعلومات وتبويبها وليس نشرها، كما أن الخوادم «السيرفر» التابعة لمحركات البحث، التي يتم فيها التبويب والأرشفة، تقع في الولايات المتحدة، ما يعني أن المحكمة قد تكون غير مختصة بنظر القضية مكانياً، وأن الاختصاص القضائي ينعقد للمحاكم الأميركية.

وفي الولايات المتحدة تختلف النظرة القضائية لموضوع الخصوصية والمعلومات الشخصية، كلياً عن الاتجاه الأوروبي، فالآراء الشخصية تتمتع بحماية دستورية تبعاً للتعديل الدستوري الأول، والمتعلق بحرية التعبير «Freedom of Speech». لذا فإن نشر المطبوعة أو وجود الخبر في خوادم شركة «غوغل»، حتى وإن كان الموضوع أو الخبر غير صحيح، قد لا يصلح أن يكون أساساً قانونياً لرفع دعوى التشهير.

وعلى الشخص أن يثبت أن المطبوعة أو محرك البحث كانت تعلم أن البيانات كاذبة، وتتعمد إيذاءه بنشرها أو جعل روابطها متاحة. ويجوز للصحافة تبعاً لهذا الحق الدستوري، نشر بعض الأمور المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، طالما كان الإفصاح عنها يُشكّل مصلحة عامة، فالمصالح المجتمعية والعوامل التاريخية وأهمية تدفق المعلومات للأسواق، هي التي ستحدد الاتجاه القضائي الأميركي.

وتدل الإفصاحات الخاصة بشركة «غوغل»، على أنها أنفقت نحو 16 مليون دولار عام 2013، و19 مليونا في 2012، على شركات ومؤسسات الضغط السياسي في واشنطن، التي تلعب دوراً حيوياً في الضغط على المشرعين الأميركيين لإقناعهم بعدم إصدار تشريعات ضد مصالح الشركة.

وبعيداً عن الحكم القضائي، يحتاج الموضوع إلى إعادة هيكلة لفلسفة وآلية عمل محركات البحث، وزيادة الاستثمار في الحلول التقنية القادرة على تلبية بعض أولويات وخصوصيات المجتمعات، مع مراعاة حقيقة أن محركات البحث هي أحد العوامل الرئيسة التي ساعدت على نمو الإنترنت، وزيادة تدفق المعلومات والأفكار في العالم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات