انتخب الإسرائيليون رؤوفين ريفين رئيساً لهم. ومع أن القوانين الأساسية لإسرائيل، التي ليس لها دستور مكتوب، لا تمنح رئيس الدولة أكثر من صفة رمزية اعتبارية، وتضع كل السلطات التنفيذية في عهدة الوزارة، وفقاً للنظام البرلماني الكامل هناك، إلا أن معظم المتابعين الفلسطينيين والعرب انشغلوا ملياً بالسيرة الذاتية لهذا الرجل.

وقد تلاقى هؤلاء جميعاً على أن هذا الخيار الرئاسي لا يبشر بخير لعملية التسوية الفلسطينية، ويحمل للمنطقة عموماً المزيد من نذر السوء الإسرائيلية العدوانية.

ضمن مبررات هذا التشوف، قيل إن ريفلين ليكودي متطرف، وأنه من مريدي الزعيم زئيف جابوتنسكي أحد أبرز آباء اليمين الصهيوني شديد العنصرية ضد العرب، كما انه من الداعين للتوسع الاستيطاني في الضفة وتهويد القدس والرافضين لحل الدولتين، على خلفية قناعات دينية بدولة أرض إسرائيل الكاملة. وهو يزعم بإمكانية استيعاب فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1967 كمواطنين إسرائيليين في هذه الدولة، على غرار فلسطينيي 1948.

أكثر من ذلك، أن الاكتئاب من رئاسة ريفلين بلغ حد التخوف من أن تتجاوز طموحات عنجهيته وتطرفه حدود فلسطين التاريخية إلى الرحاب العربية بالجوار.. ذلك لكونه صاحب مواقف ومنظورات حادة تجاه الأردن ومصر.. ومن ذلك أنه «لا يخفي مطامعه في سيناء، التي يعتبرها أرضاً يهودية».

وفي الإطار ذاته، دفع البعض بأن الرئيس الوافد يأتي على النقيض من الرئيس المنتهية ولايته شيمون بيرس، الذي كان رمزاً للاعتدال، وبذلك خسر معسكر السلام حمامة كبيرة. على الرغم من هذه الهوجة، نحن نجادل بأن التعامل مع قضية الوراثة الرئاسية في إسرائيل قد تم بقدر فائض من التسطيح والضحالة التحليلية.

ولعل أكثر ما يغيظ في هذا السياق، هو إغفال التعارض بين الطروحات الموصولة بضعف مكانة الرئيس الإسرائيلي وسلطاته القانونية والسياسية، وبين التوقعات التي بالغت في الأدوار التي قد يضطلع بها الرئيس الصقر ريفلين

. إذ كيف يكون للرئيس الإسرائيلي مقام فخري وشكلي، وكأنه يملك ولا يحكم، بينما يذهب المرجفون إلى أن ريفلين ربما يقلب الطاولة في وجه صفوة السلاميين والمعتدلين؟! إذا تغاضينا عن هذا الكلام الذي يناقض آخره أوله، فإنه لا يحق لأحد التغافل عن تقاليد السياسة الإسرائيلية؛ التي لا تمنح الشخوص والرموز مهما علا شأنهم، أدواراً تتخطى أدوار المؤسسات والثوابت التي تسهر عليها.

إلى ذلك، نحن لا ندري ما الذي يستحث المهتمين والخائضين في هذا الأمر على تجاهل التراكم المعرفي الموروث حول خبرات التوالي على سدة الرئاسة في إسرائيل؟.. ريفلين هو الرئيس العاشر هناك، وليس على من يريدون استكناه دوره، بشكل موضوعي بعيد عن التهويل والتهوين، سوى مطالعة أدوار أسلافه التسعة في المنصب.

وبمنهج الملاحظة، نكاد نقطع بأن القرارات الإسرائيلية الفارقة، لم تخرج يوماً من عباءة واحد من هؤلاء، بدءاً من حاييم وايزمن وانتهاءً بشيمون بيرس.. هذا مع العلم بأن قامة ريفلين بتاريخه الفكري والسياسي والحزبي؛ لا تتوازى ولا تزن قامة أحد منهم. ولماذا نبتعد، فالذين يستشعرون الوحشة لغياب بيرس، عليهم أن يبصرونا بما تركه هذا المخضرم من بصمات في مضمار عملية السلام بعامة ومسار التسوية الفلسطينية بخاصة، أثناء فترة ولايته الرئاسية.

الحق أنه باستثناء تصريحاته الدبلوماسية ؛ المغموسة بزخرف القول والأمنيات الطيبة؛ التي تعطيك من طرف اللسان حلاوة، لا نستطيع أن ننسب لبيرس أية مواقف مغايرة للثوابت الإسرائيلية إزاء أي من مفردات عملية التسوية.. فالرجل، الذي يصنفونه ضمن معسكر الاعتدال لم يجمد الاستيطان أو يوقفه، ولم يتطوع بالعفو عن أسير أو مختطف فلسطيني واحد..

ولم يعارض التوغلات العسكرية الإسرائيلية في أراضي السلطة الفلسطينية بغرض القتل والاعتقال والترويع، ولا هو أبدى أي تسامح تجاه المطلب الخاص بحدود 1967 للدولة الفلسطينية المأمولة، وكان ومازال في زمرة الطامعين في تهويد القدس.. وقبل ذلك كله، كان الراعي الرائد لاستحواذ إسرائيل على السلاح النووي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي!..

والحال كذلك، ترى ما الذي يميز الرئيس «المتطرف» ريفلين عن سلفه «الحمائمي» بيرس؟ إذا اتفقنا على أن الاقتراب والابتعاد من المرجعية الصهيونية، هو الفيصل في إدراك توجهات القادة الإسرائيليين، من الرئيس إلى الخفير، يصبح من الصعوبة بمكان التمييز بين المتشددين المتطرفين منهم والمعتدلين. هذه حقيقة عامة وعابرة للمراحل لا ينبغي أن يسهو عنها أهل الذكر.