أحداث خطيرة حفلت بها الساحة العراقية على مدى الأيام العشرة الماضية، فقد أحدث الاحتلال المفاجئ والسريع لمحافظة نينوى أكبر محافظات العراق بعد العاصمة بغداد، ثم مناطق من محافظات أخرى، صدمة صاعقة محلياً وإقليمياً ودولياً. فعلى المستوى المحلي يقف العراق على بوابة فراغ تشريعي واستحقاق انتخابي وأزمة تشكيل حكومة جديدة..
وعلى المستوى الإقليمي هناك أسباب موضوعية مقلقة جدا لتفاقم حالة عدم الاستقرار التي تسود المنطقة واحتمالات توسع دائرة الحرب الطائفية، أما على المستوى الدولي فالحرب الباردة الجديدة بين الغرب وروسيا ستعقد المشهد وتجعل الثمن الذي يدفعه الشعب العراقي كبيراً حين يصبح العراق ضمن صفقات هذه الحرب.
الغموض لا يزال يغلف الموقف، فحجم ما جرى وما يجري أكبر كثيرا من قدرات تنظيم لا يزيد تعداده على بضعة آلاف مثل تنظيم «داعش»، تطارده جميع دول المنطقة، إذ يشير بعض ما تسرب من معلومات إلى أن الجهات التي تضررت بفعل الغزو الأميركي للعراق..
والتي رفضت العملية السياسة أو أقصيت منها، مشاركة في العمليات العسكرية. كما أن هذه الأحداث قد نقلت الخلافات بين بغداد وأربيل إلى مستوى متقدم من الاحتقان، بعد أن حسم إقليم كردستان الموقف ميدانيا لصالحه حول عائدية كركوك ومناطق أخرى إلى الإقليم..
حيث قامت قوات البشمركة بإشغال تام لهذه المناطق بعد انسحاب الجيش منها. ومع أن بعض نواب دولة القانون قد سارعوا لتوجيه الاتهامات لإقليم كردستان، إلا أن الجهات الرسمية التزمت الصمت ولم يصدر عنها موقف محدد..
لكن ذلك ليس سوى قرار مؤجل لصدام قادم في حالة بقاء المالكي في سدة الحكم. العراق يشهد أزمة سياسية عميقة، هي الأخطر في تاريخه منذ تأسيس الدولة العراقية مطلع عشرينيات القرن المنصرم، خلطت الأوراق فيها بشكل لم يعد يتيح خيارات ممكنة للخروج منها دون خسائر كبيرة، سوى مسار واحد هو الإسراع بتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لمنع تدهور الوضع الأمني والسلم المجتمعي إلى ما هو أسوأ.
إن الانهيار الذي شهدناه للقوات المسلحة وتخاذل قادتها، لا تقع مسؤوليته بالدرجة الرئيسية على عاتق هؤلاء الضباط فحسب، بل على النخب السياسية الفاسدة التي مرغت مصطلح «الديمقراطية» بالوحل، ويقع على عاتق السياسات الخاطئة وغير المسؤولة التي انتهجها المالكي على مدى السنوات الثماني من حكمه، والتي تراكم فيها الإحباط والسخط والتهميش وسيادة القيم غير الوطنية، وتراجع المعايير السليمة في بناء مؤسسات الدولة..
وانتشار الفساد وتراجع العقيدة الوطنية التي طالما تحلت بها القوات المسلحة. وحين يعلن المالكي عن التعبئة العامة وتشكيل جيش رديف ويطلب غطاء شرعيا لإعلان حالة الطوارئ، فهو يوغل بعمق في تهديم ما تبقى من معالم الدولة.
فالجيش الرديف ليس غير ميليشيا، لا يستطيع أن يدلنا على بند أو مادة أو فقرة في الدستور تسمح بها وتشكل غطاء قانونيا لها. كما أن الدعوات التي صدرت عن بعض المراجع الدينية لحمل السلاح ليست في محلها، لأنها لا تسهم في توحيد الصف الوطني العراقي، بل تؤسس لغير ذلك..
سيما وأن من سيتولى توجيه حَمَلة السلاح هؤلاء، هي نفس القيادات التي أوصلت العراق إلى هذا الحد من الخراب والتصدع المجتمعي. ومن الخطورة أن تبتعد المرجعيات الدينية عن خطاب الاعتدال، في مقارباتها للقضايا التي لا تدخل في باب الفقه ومفردات العقيدة، وهذه الدعوات لا يمكن أن تقبل كبديل للدستور وهي ليست أفضل من الحلول السياسية.
ائتلاف المالكي يعرقل تشكيل الحكومة الجديدة بحجة الوضع الأمني الاستثنائي، ويسعى لتحشيد الشارع وراء شعارات الخيار العسكري فحسب، متناسيا أن خيارا كهذا لن يكون له حظ في النجاح دون اعتماد أطر سياسية تضع السياقات العسكرية في وضعها الصحيح. فهذا الخيار ليس الأفضل في ظل غياب ترتيبات سياسية عاجلة، تعمل على التخفيف من الاحتقانات في المنطقة الغربية..
وفي محافظات أخرى، وفي العلاقة مع إقليم كردستان. إن تأجيج مشاعر العداء ورفع رايات الحرب وعرض المشاهد الاحتفالية، هو الأسلوب الذي اعتدنا عليه في عهود سابقة حين كان الناس يخرجون في تظاهرات مليونية لتحية القائد..
ولا يلبثون أن يخرجوا فيها ثانية لتحية وتمجيد من أسقط هذا القائد. الوضع في العراق يتطلب تبني رؤى جديدة وانتهاج استراتيجية جديدة، لإعادة النظر في الدستور وإجراء إصلاحات سياسية من قبل إدارة جديدة، بدلا عن إدارة المالكي التي أثبتت فشلها المدوي.
أصوات عديدة ترتفع هنا وهناك في أوساط النخب السياسية، تردد أن ما يجري هو شأن عراقي وتطالب بعدم التدخل، رغم أن هؤلاء يعرفون جيدا أن ما يدعون إليه لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، سيما وأنهم لم يتمكنوا من صياغة برنامج سياسي وطني لإخراج العراق من حالة الهزال التي تعتريه، وهو ما شخصته الإدارة الأميركية حين وضعت ذلك شرطا لتدخلها لمواجهة المخاطر التي تهدد العملية السياسية.
واشنطن وطهران كانتا ولا تزالان قريبتين جداً من الأحداث، وقد حرصت كلتاهما في الماضي على إبعاد توافقهما على الشأن العراقي عن دائرة الأضواء، إلا أن خطورة الأزمة الحالية نقلت هذا التوافق إلى العلن، من خلال ما صرح به وزير الخارجية الأميركي حول ذلك، والبدء فعلاً في محادثات حول هذا الشأن على هامش المحادثات الأميركية - الإيرانية المباشرة في جنيف حول البرنامج النووي الإيراني، بغية التنسيق السياسي وليس العسكري، كما حرص الجانب الأميركي على إعلانه.