الذين يدّعون البراءة

متى نشأت «داعش»، وأين ترعرعت، وكيف تغولت لتحكم سيطرتها على مدن مهمة في سوريا، ثم تنقض على واحدة من كبرى المدن العراقية، وتخطفها في لمح البصر، وتعلن زحفها على العاصمة بغداد، على مرأى ومسمع من حكومة العراق المركزية، وجيشها الذي فر جنوده تاركين أسلحتهم وعتادهم لمقاتلي «داعش» الذين تقول التقديرات إن عددهم لا يزيد عن بضعة آلاف مقاتل؟!

أسئلة ربما تحمل الكثير من البراءة عندما نطرحها نحن الجالسين خلف أجهزة التلفاز، نتابع نشرات الأخبار التي تحمل لنا أنباء تقدم مسلحي «داعش»، وتقهقر قوات الحكومة العراقية، نستمع إلى التحليلات، ونقرأ المقالات، لكنها أبعد ما تكون عن البراءة أمام أجهزة المخابرات العالمية، التي تحصي على المواطنين والساسة والتنظيمات والجماعات أنفاسها.

وتراقب مكالماتها، وتتابع تحركاتها، تستخدمها عندما تقتضي مصالح دولها استخدامها، وتحاربها عندما تنتهي مهمتها. فإلى أي مدى ساهمت هذه الأجهزة في تأسيس «داعش»؟ وإلى أي مدى دعمتها، بشكل مباشر أو غير مباشر؟ وإلى أي مدى استخدمتها في تنفيذ سياسات دولها؟ وإلى أي مدى ستعمل على محاربتها، إذا اقتضت الضرورة ذلك؟

هذه هي الأسئلة التي تبدو منطقية إزاء نشأة هذا التنظيم وترعرعه وتطوره، قبل أن يتحول إلى هذا الغول الذي يمد أذرعه، ويسيطر على أجزاء من الشام والعراق، ليشكل دولته الممتدة من حلب، مرورا بالرقة ودير الزور في سوريا، إلى نينوى في العراق، مرورا بالأنبار وصلاح الدين. أسئلة تفرض نفسها، بغض النظر عن فرص النجاح المتاحة لهذا التنظيم، والعوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تقويض حلمه. فتنظيم «داعش» الذي يثير كل هذا الجدل، ليس نبتا شيطانيا.

وهو لم يظهر اليوم، وإنما أطل برأسه يوم أن ظهر الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في العشرين من شهر مارس عام 2003، ليعلن للعالم أن قواته المسلحة والقوات الحليفة بدأت المراحل الأولى من العمليات العسكرية، من أجل نزع أسلحة العراق وتحرير شعبه، لحماية العالم من خطر عظيم. يومها أعلن بوش في خطاب متلفز، أن الهدف من هذه العمليات هو الوصول إلى عراق مستقر وحر، وأكد التزامه بتعهداته قائلا: «ليس لدينا أي طموحات في العراق سوى رفع الظلم والتهديد، وإرجاع البلد إلى أهله»!

هذا هو ما قاله الرئيس الأميركي وقتها وهو يعلن حرب تحرير العراق، كما سمتها القيادة الأميركية. أما وزير دفاعه وقتها دونالد رامسفيلد، فقد حث المواطنين العراقيين، في أول مؤتمر صحفي له بعد بدء العمليات، على البقاء في بلدهم وعدم النزوح، مؤكدا أنها ليست حربا ضد المواطنين العراقيين أو ضد الإسلام، وإنما ضد النظام العراقي، وأنه بمجرد إزاحة النظام سيتم تسليم السلطة إلى الشعب العراقي.

لكن ما حدث بعد ذلك كان مغايرا تماما لما قاله الرئيس الأميركي السابق ووزير دفاعه، باعتراف الحاكم الذي عينه بوش لإدارة العراق بعد الاحتلال «بول بريمر»، الذي أداره لمدة 14 شهرا تحمل خلالها جانبا كبيرا من مسؤولية انزلاق العراق في الفوضى، بعد أن اتخذ سلسلة من الإجراءات زعزعت استقرار الوضع الأمني الهش أصلا، كان أبرزها حل الجيش العراقي، الذي كان قرار حله كارثة ما زال العراق يتحمل تبعاتها حتى اليوم.

في الأول من مايو عام 2003، أعلن الرئيس بوش من على حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» العائدة من العراق، انتهاء العمليات الحربية الرئيسية في العراق قائلا: «في هذه المعركة حاربنا من أجل الحرية، ومن أجل السلام في العالم».

وأكد: «لدينا عمل صعب يتعين إنجازه في العراق». يومها حاول بوش ربط نظام صدام حسين الذي خلعه، بتنظيم «القاعدة» الذي تحمله الولايات المتحدة مسؤولية هجمات الحادي عشر من سبتمبر، على الرغم من غياب دليل قاطع على ارتباط النظام العراقي بالتنظيم، فقال:

«تحرير العراق إنجاز مهم في الحملة على الإرهاب. لقد قضينا على حليف للقاعدة، وقطعنا مصدر تمويل إرهابي، وبات مؤكدا أنه لن تحصل شبكة إرهابية على أسلحة دمار شامل من النظام العراقي، لأن النظام العراقي لم يعد له وجود».

واليوم، بعد أحد عشر عاما من غزو العراق واحتلاله وحل جيشه، ما الذي تحقق من خطاب بوش، وما الذي لم يتحقق؟ الذي تحقق هو أنه لم يعد للنظام وجود في العراق. وحين نقول «النظام» فنحن لا نقصد نظام الحكم، وإنما نقصد «النظام» الذي هو ضد «الفوضى» التي عمت العراق من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. أما جيشه الذي حله «بريمر» بقرار من الحكومتين الأميركية والبريطانية.

كما يقول «بريمر» نفسه، فقد حل محله جيش هزيل، فرّ عند أول مواجهة بينه وبين جماعة إرهابية لا يتجاوز عدد مقاتليها بضعة آلاف من الحالمين بإقامة دولة ذات أعلام سوداء وأفكار ظلامية أشد سوادا، لم يستطيعوا إقامتها على أرض العراق والشام قبل الغزو الأميركي، وها هم اليوم يقتربون من تحقيق حلمهم.

أما «القاعدة» التي بشرنا بوش بأنه قد قضى على حليف لها، فقد ازدهرت بعد احتلال العراق، ووجدت لها عشرات الحلفاء، وحصلت على أسلحة حديثة لم تكن تمتلكها، في ظل حكم الذين جاء بهم الاحتلال، وعلى مرأى ومسمع من أجهزة مخابراته العتيدة.

لذلك فإننا حين نطرح أسئلة تبدو غبية وساذجة، فنحن لا نبحث فقط عن إجابات لها، وإنما نبحث عن الذين يعرفون إجاباتها، ويقفون مستغربين مثلنا، يدّعون البراءة، وهم عن البراءة أبعد ما يكونون.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات