سلوم

طحت واجف

«طحت واجف» جملة تتكون من كلمتين، وهي تنتمي إلى موروثنا العريق، الذي كلما تعمقنا فيه أبهرنا بغزارة معانيه، وتوغل مفرداته الغائرة في لغتنا العربية الفصحى، لغة القرآن الكريم، وذلك لما يزخر به هذا الموروث من أبجديات مكارم الأخلاق التي اشتهر بها أهلنا وأجدادنا، الذين عاشوا في هذه الجزيرة المباركة..

حيث وجودنا اليوم، ما هو إلا امتداد لتلك القامات والهامات، الذين تقف كبرى مكتبات العالم عاجزة عن وصف، ولو قليل، من تاريخهم الزاخر بالقيم والعلم والمعرفة. ونعود إلى جملتنا «طحت واجف»، وترجمتها الحرفية تعني أنك قد سقطت واقفاً. والمعروف هنا أن السقوط فعل غير مرغوب، كون السقوط يعتبر مصيبة، فسقوط الشيء من مكانه يعني أنه انتهى وتعطل، إذا كان ذلك الشيء مادياً. وإذا قلنا سقط الرجل، فيعني ذلك أنه إما أن يكون قد هوى من مكانٍ مرتفع، وربما يفقد حياته إثر تلك السقطة، أو يسقط من وقفته، وأيضاً ذلك يعني أن مكروهاً قد أصابه.

وفي جميع الأحوال، فالسقوط مشكلة، لكن موروثنا اليوم أراد أن يفاجئنا بتفرده في صياغته للجمل، بتوغل أكثر في إعراب ووصف الموقف الذي فيه معنيان، ويثبت أن الحياة في هذه الدولة أتاحت لمجتمعها مساحات شاسعة للتحليق فيها كيفما شاء، مدعمة ذلك بموروث غني بكلماته التي تعطي الأمل والقوة والإحساس بالأمان، وتعزز الترابط بين أفراد المجتمع الواحد.

وتثبت أن الناس لا بد من أن يتعاونوا ويحمل بعضهم بعضاً، فأضفنا على كلمة «طحت» كلمة «واجف»، فأصبحت «طحت واجف»، أي سقطت واقفاً. والمعروف أن الذي يسقط لا يقع واقفاً، فالكلمتان كلٌ منهما تناقض الأخرى في المعنى، ولكن هنا يكمن المعنى الغائر في الجملة، والمعنى هو أن الذي سقط لم يتأذَّ، فقد وجد من يساعده ويقف بجانبه ويشد من أزره.

وكل هذا في اعتقادي أن الكل يعرفه، ولكن دعوني أشرحها بلغة الموروث.. في الحقيقة هي جملة تقال لمن أخفق في عملٍ ما، أو لمن لم يجد ما يبحث عنه، أو لمن أراد معونة أو مساعدة ما ولم يجدها، أو تقطعت به السبل ولم يجد من يعينه. وعلى سبيل المثال ولأقرب الصورة لكم أكثر، فلنفرض أنه جاءك الرجل وقد وصل من اليأس آخره في طلب موضوعٍ معين، وليس باستطاعتك مساعدته فقط، بل إنك ترى أن من الواجب والشهامة أن تساعده، وليس بدون أن تكسر نفسه فقط، بل وتجعله يقبل بالمساعدة..

وهو مرفوع الرأس، مع بث وتثبيت في نفسه إحدى القيم السامية في مجتمعنا، وهي قيمة التعاون والترابط والتعاضد وأن قوة المجتمع في تكتله مع بعضه البعض، فتقول له «طحت واجف»، أي أنه لا ضرر عليك، واعتبر الأمر قد تم على ما تتمنى، وبالتالي، لم تسقط. وأيضاً تعني أننا سوف نساعدك بكل ما أوتينا من قوة، وأن سقوطك لن يصيبك بأذى، كونك وصلت عندنا نحن الذين نستطيع حل موضوعك بكل بساطة، ولن نجعلك تشعر بأنك أخفقت أو سقطت، الأمر الذي يجعل كل من يسمع هذه الجملة تقال له في وقت حاجته، يشعر بأنه وصل برقبته إلى عنان السماء، ويعي تماماً ما تعني النخوة والعمل بالأصل الطيب.وللحديث صلة...

طباعة Email
تعليقات

تعليقات