يبالغ بعض الإسرائيليين كثيراً حين يتصورون أن دولتهم تملك في المستقبل ترف التوجه شرقاً شطر الفضاء الآسيوي الفسيح، عوضاً عن الارتماء التاريخي في أحضان الغرب الأوروبي.
فالعلاقات متعددة المجالات بين إسرائيل والقوى الآسيوية، ولاسيما دول وسط القارة فضلاً عن الصناعيين الكبار الأربعة اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية، أمر قائم بالفعل منذ عقود، وان كانت هناك شواهد على تنامي هذه العلاقات خلال العقدين الأخيرين. غير أن بناء وشائج للتفاعل والتواصل بين إسرائيل وهذه القوى، بالمفهوم الاستراتيجي شديد الخصوصية، كالذي يغلف صلة إسرائيل بعالم الغرب على جانبي الأطلسي، قضية فيها نظر. فالصهيونية وكيانها السياسي منتجات أوروبية.
ولم يكن الآسيويون في أي من مراحل تاريخهم العريق أصحاب نزعات عنصرية، كالتي نبتت ونمت في رحم أوروبا، وتناسلت عنها نظريات التفوق العرقي ورسالة تمدين الآخرين وشعب الله اليهودي المختار على غرار الجنس الآري المتميز.. ومن نافلة القول إنه ما كان للفكرة الصهيونية أن تتجسد في دولة، من دون المدد الغربي متعدد الأشكال، ولنتذكر أن آباء الصهيونية الأولين، بما فيهم تيودور هرتزل، لم يلتفتوا كثيراً إلى الآسيويين.
وجاء في قرارات مؤتمر بازل لعام 1897، الذي منح الصهيونية بعدها التنظيمي الحركي، بأن الهدف هو إنشاء دولة يضمنها القانون العام. ولم يكن المقصود بهذا الضامن سوى الدول الغربية الكبرى فقط لا غير. إلى ذلك، كانت الإغراءات المعروضة من الصهيونية وعرابيها كثمن لهذا الضمان، موجهة أيضاً إلى هذه الدول.
فالكيان الصهيوني المأمول «سيكون حصناً للغرب في قلب الشرق البربري». ولهذا فشلت كل المساعي الصهيونية التي رمت ذات حين إلى استمالة قادة التحرر الآسيوي العظام، بانتزاع تصريحات أو رسائل أو مقولات تعطف على الصهيونية أو تنتصر لأهدافها. هذا ما حدث مع غاندي وماو تسي تونغ ونهرو وهوشي منه وسوكارنو وغيرهم.. الصهيونية وإسرائيل هما في أصلهما وفصلهما من سقط متاع الحضارة الأوروبية.
وقد قصدتا بعدوانهما على فلسطين شعباً آسيوياً؛ يقع في خاصرة آسيا وعلى تخومها الغربية ويصح النظر إليه كأحد ممراتها إلى أوروبا وأفريقيا. ولأن هذا العدوان جاء في أواخر عصر السيطرة الغربية، ومواكباً لمرحلة المد التحرري الآسيوي، فقد كان من الصعب على الآسيويين هضم التغذية الاسترجاعية للاستعمار التي يعنيها المشروع الصهيوني عموماً. وعزز من هذه الصعوبة، مكانة الآسيويين في كل من منظومتي القوى الاشتراكية وعدم الانحياز، اللتين ناصبتا هذا المشروع العداء، لانحيازه بفجاجة للمعسكر الغربي..
مع ذلك كله، فإن الإسرائيليين لم يملوا ولا فقدوا الرجاء في محاولة اختراق الجدار الآسيوي. وقد أطمعهم في نجاح هذا التوجه مؤخراً، أفول نجم المعسكر الاشتراكي وشحوب دور مجموعة عدم الانحياز، وتقاطر مئات آلاف اليهود من وسط آسيا إلى إسرائيل، الذين اتخذت الأخيرة منهم جسراً للتواصل وتشبيك العلاقات متعددة الأبعاد مع أوطانهم الأم. هذا علاوة على تصدع حاجز العداء والصد العربي والفلسطيني لإسرائيل.
والحق أن إسرائيل حققت بالفعل إنجازات في هذا الاتجاه، إذ ارتفعت معدلات التبادل التجاري والتعاون الاستثماري والتقني والمالي، بل والعسكري والاستخباري أيضاً، بينها وبين كثير من القوى الآسيوية. هناك من يروج لهذه الانعطافة الفارقة، بحسبها وصفة نموذجية لمزيد من التحرك دولياً بمعزل نسبي عن سطوة الغرب، الشق الأوروبي منه بالذات.
وفي سبيل ذلك لا يتورع أصحاب هذه البدعة عن التذكير بالتواريخ السوداء للأوروبيين في اضطهاد اليهود. وهذه لعمرك إحدى مهازئ تقاليد الكيانات الاستيطانية.. اذ تقول النماذج، إن المستوطنين حين يشعرون أنهم شبوا عن الطوق وامتلكوا بعض ارادتهم، يميلون الى التنكر للقوى الأم التي رعتهم أثناء مراحل الميلاد والطفولة.
القصد، أننا ازاء طموح إسرائيلي بازغ للتمرد على ولاية البيت الأوروبي الحاضن، على غرار ما جرى مع الأميركتين واستراليا والأفريكانز في أفريقيا من قبل. غير أن هذه الرغبة الإسرائيلية شيء والقدرة على تطبيقها شيء آخر.
فإسرائيل لا تستحوذ على القدرات ولا تعيش في كنف المحددات والشروط والمعطيات؛ التي سمحت لهذه النماذج بالخروج عن الطاعة الأوروبية. والأهم أنها لا تستطيع الزعم بوجود وظيفة لها لدى الآسيويين، تتساوى مع، أو تغنيها عن، الوظيفة التي صنعت لأجلها بالنسبة للأوروبيين. وهي مازالت تستعمر أرضاً وشعباً آسيويين. علينا أن نذكر أصدقاءنا وشركاءنا القاريين بهذه الحقائق.