دخل شخص مع صديق له قاعة سينما، وما أن بدأ الفيلم حتى مال على صاحبه وهو يقول : «هل تراهنني بأنّ البطل سيقع في حفرةٍ بعد قليل ؟» فقال الآخر : «نعم وبمئة جنيه»، وما هي إلا دقائق وكان البطل يتخبط ساقطاً في حفرة كما قال الأول، لكنّ ضميره أنّبه فقال لصاحبه: «لا أريد جنيهاتك، فقد شاهدت هذا الفيلم من قبل»، فرد الآخر قائلاً: « أنا شاهدته من قبل أيضاً، لكنني ظننتُ أنه سينتبه هذه المرّة»!

البعض يدهشك بطريقة تفكيره وبتصرفاته وتعاطيه مع ما حوله، ويدهشك أكثر عندما يرى نفسه يفعل شيئاً جديراً بالثناء أو الوقوف عنده إعجاباً، فهو يفعل نفس الأمور الخاطئة دوماً وينتهي بنفس النتائج المخيّبة للآمال لكنه لا يتوقف لمراجعة نفسه والتدقيق على ما يفعله وكيف يفعله، بل «يُصدِّعك» بأن من لا يعمل لا يخطئ..

وهو وإن كان أمراً صحيحاً لكنه ليس على إطلاقه، فبداية النجاح ليس أن تخطئ بل بأن تتعلم من خطئك وتبدأ بتصحيحه فوراً، فالمؤسسات كيانات حيّة تتأثر بالأساليب والأفكار التي يروّجها بها مسؤولوها وموظفوها، إن كانت جيدة تعزّزت بها ثقافة صحية محفزة، وإن ساءت كانت وبالاً عليها وعلى المجتمع الذي ينتظر خدماتها.

إن قيمة الوقت أغلى من كل ثمن، وكل لحظة لا نبدأ بالتصحيح الفعلي لا الجزئي فيها هي لحظة مهدرة ورسالة خاطئة تذهب لمن حولنا بأننا لا نرى أبعاد المشكلة بطريقة واضحة وبالتالي لا نملك تصوراً مقنعاً لحلها، فتبقى المؤسسة تدور في حلقة مفرغة ومُنهِكة للجهد والفكر والوقت والمال، فمعرفة مكمن الخطأ هو السر في تعافي المؤسسات أو بقائها في عالم التخبط، والسر دوماً يكون في شيء واحد ومخطئ من ظنّ أنه في غيره، ألا وهو : الإنسان!

لو سَنَنْت أفضل قانون وصممت أنجح هيكل تنظيمي ووضعت أكفأ إجراءات ووفرت أعظم تقنية فلن تنجح إن كان الأشخاص الذين يتفاعلون ويتعاملون مع هذه المعطيات أقل بكثير عنها وعن طموحك بمستقبل المؤسسة، فمتواضع القدرات لا تمثِّل له الإمكانات العالية إلا عقبةً كبيرة قد تكشف حقيقته فيبدأ في انتقادها وعدم قدرتها على الوفاء بما قيل عنها..

والمبدع يستطيع خلق فارق وإن كان لا يملك إلا ورقةً وقلماًً فقط، فطريقة التعاطي مع المحيط هي ما يميّز بين الأشخاص، هناك من يخلق الفارق وهناك من يسحبك للأسفل، فالراعي الذي يجد أمامه صخرة كبيرة لا يعدو عملاً من أن يستند إليها لينام، بينما يمرّ بها فنّان مُلهَم فينحت منها نتاجاً فنياً أو تمثالاً يصنع للمكان بأكمله ألَقاً وجمالاً لم يكن موجوداً من قبل.

إنّ قائد أي مؤسسة كما يقول جاك ويلش «أشبه بالفلاح الذي يهتم بالنباتات، أي الموظفين، لا بد أن يبذل جهده لسقيها ورعايتها حتى تنمو وتُنتِج، لكنّه لا بد أن يقتلع أي نبتةٍ ضارة من جذورها وفوراً»، فالوقت لا يسمح بمزيد من الهدر، والجهد لا بد أن يتم توجيهه لخلق الفارق لا لانتظار أن يستحي نبات الصبّار «على دمّه» فيُنْبِتَ لنا رُطَباً جَنيّاً، فمهما دققنا الحديد فلن يتحول إلى ذهب..

فلكل شيء قدرته وحدوده التي لا يستطيع تجاوزها، وإن انتظار مخرجات مختلفة لمدخلات لا تتغيّر هو نوعٌ من استغفال النفس قبل أن يكون منافاةً للمنطق، فإن أردت فعلاً أمراً مختلفاً أن يحدث كنوعية مميزة تبحث عنها وتطمح لها فلا بد أن تغيّر المدخلات أو من يقوم بها، فمن لا يعرف إلا استخدام المطرقة لن يستطيع رسم لوحة جميلة على الجدار بل سيبدأ في تكسيره ليس لأنّه يريد الإساءة ولكن لأن ذلك ما يُحسِنه فقط!

إنّ المؤسسات الناجحة تقوم حياتها على مقدار صانعي الفارق Advantage Makers الذين يعملون لديها، فهم وحدهم من يرون العالم لا كما هو بل كما يمكن أن يُصبح عليه، ولا يقضون ساعاتهم في تمني أن تكون الأمور مختلفة حتى يستطيعوا الإنجاز بل يصنعون الاختلاف بأنفسهم، وهم من يجرّون الدنيا معهم للأمام ولا يتركونها تجرّهم للخلف، وهم من يملك الأجوبة دوماً عندما ينشغل الفاشلون بالبحث عن شماعات لتعليق الإخفاقات عليها.

إن النجاح ليس معادلة معقدة، بل هو أمرٌ سهل إن أُخِذَ بكامل متطلباته لا بالانتقاء فيما بينها، والأمور أوضح من أن تكون مدعاة للارتباك، فالأرقام لا تكذب ومؤشرات الأداء خير وسيلة لقياس عمل كل شخص، ولا فائدة فيمن لا يبادر للمساهمة بإنجاح مؤسسته بكامل طاقته وينتظر من يضغط عليه أو يدفعه دفعاً للعمل، فما أن تغفل عنه حتى يعود لسابق عهده فالطبع يغلب التطبّع، وكم أتمنى ختاماً ممن يقرأ هذه الحروف أن يتفكّر في «ما» أقصد لا «مَن» أقصد، فشخصنة الفكرة تُلغي فائدتها وتخرجها عن مرادها تماماً.