«داعش» واللعبة السياسية في العراق

من السمات التي يُفترض أن تتسم بها الدولة الديمقراطية، اتباع الشفافية على مختلف الأصعدة، فالمواطن في بلد ديمقراطي من حقه أن يتعرف على أداء السياسي الذي انتخبه ومنحه سلطة القرار وائتمنه على مقدراته، ومن واجب السلطات الحاكمة أن تطلعه على الحقائق.

لن نتطرق في سياق هذه المقالة سوى إلى شأن واحد، هو الأهم على الإطلاق بين جملة لا تعد ولا تحصى من المثالب التي تحيط بأداء فرسان المنطقة الخضراء في العراق. هذا الشأن هو الأمن المفقود، الذي تجتمع جميع ملفاته المعقدة في يد شخص واحد، هو القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء نوري المالكي. فإضافة إلى التفجيرات الإجرامية التي تنال من الأبرياء في معظم مدن العراق، أصبح بعض هذه المدن ساحات قتال حقيقي ضحيته السكان الآمنون.

 فمنذ ما يقرب من ستة شهور تشهد أكبر مدن محافظة الأنبار، الرمادي والفلوجة، حروبا حقيقية لم تستطع القوات المسلحة أن تحسمها، رغم ما تمتلكه من تفوق في العدد والعدة، وليس لدى المواطن العراقي معلومات حول ما يجري هناك، سوى ما تزوده به وسائل الإعلام الحكومية، التي ما انفكت تسبب الضبابية والإرباك للتضارب بين ما يصدر عنها وبين الواقع الذي لم تعد السلطات قادرة على إخفائه.

فبين الحين والحين يطل علينا القائد العام للقوات المسلحة، ليعلن عن مدى التقدم في الحرب التي يقودها على الإرهاب، ففي إحدى المناسبات يقول «إن القاعدة منيت بهزيمة وأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة»، وفي مناسبة ثانية «القوات العراقية وجهت ضربات قاصمة للإرهابيين»..

وفي مناسبة ثالثة «القاعدة وداعش أصبحا ملاحقين كالجرذان، ولم تعد العملية صعبة كما كانوا يتصورون في بداية الهجمة». وبعد كل هذه التطمينات التي يرددها المالكي أمام الرأي العام، لا يزال الجيش مشغولا بالقتال في هاتين المدينتين اللتين بات بعض الأحياء فيهما، خاصة الفلوجة، خرابا تماما، ولا تزال الأرقام عن عدد الضحايا وعن عدد العوائل المهجرة في ارتفاع مستمر. ولكن الأمر لم يتوقف عند محافظة الأنبار..

فقد فوجئ الجميع بقيام تنظيم داعش بعملية نوعية، وهي اقتحام مدينة سامراء والنجاح في فرض سيطرتها على عدد من أحيائها، في الوقت الذي كانت القوات الأمنية في غفلة كاملة. ولم تكد العمليات في سامراء تتراجع حدتها حتى فوجئنا بظهور مقاتلي داعش في الموصل، وفرض سيطرتها هناك على المدينة وعلى كامل المحافظة، التي تعطلت الحياة فيها بفعل المعارك وعمليات نزوح السكان.

أصبح الإرهاب في العراق ظاهرة متوطنة، تصنعها تنظيمات عديدة تعمل لصالح أكثر من جهة، بعض هذه التنظيمات عرضة للإيجار، إلا أن ما يجدر ذكره هو أن دور تنظيم «القاعدة» قد تراجع في الآونة الأخيرة..

لصالح تنظيم إرهابي جديد هو «داعش»، لا أحد يعرف حجمه الحقيقي ولا من يقف خلفه ولا من استأجره. ولم يقتصر نشاط تنظيم «داعش» على توسيع نطاق عملياته فحسب، بل تجاوز ذلك إلى ما هو أهم، وهو إثبات قدرته على اختطاف المدن بسرعة تثير الاستغراب، والسيطرة عليها لساعات طويلة أو أيام، والقيام بعمليات مواجهة نوعية أحرجت القوات الأمنية وكشفت مدى ضعفها وغفلتها، وفقدانها القدرة على اتخاذ المبادرات، وفشلها في اتخاذ إجراءات احترازية أو القيام بعمليات استباقية.

الملاحظ أن هذا التنظيم ينشط في المناطق التي لها هوية مذهبية معينة، وهو ما يثير التساؤل. فمن البديهي أن يقال بأن لهذا التنظيم حواضن في هذه المناطق، وهذا صحيح، فله فعلا بعض الحواضن فيها، تزوده ببعض اللوجستيات التي تساعده على تنفيذ مهامه، وهو ما يمنح السلطات الأمنية شرعية التدخل واتخاذ الإجراءات ضد هذه الحواضن.

ولكن ما نرصده أن هذه الإجراءات، مثل القصف الجوي والمدفعي، تتم بطريقة تثير هي الأخرى التساؤلات عن أهدافها، لأنها تُحمل المسؤولية لكل سكان هذه المدن، دون أن تميز بين أهالي المدينة الأبرياء وبين القلة التي تتحصن في بعض مناطقها. فما المغزى من استخدام هذه القوة المفرطة؟

أهو استهداف مقاتلي داعش وحواضنها فحسب، أم كسر شوكة أهالي هذه المدن التي سبق أن تظاهرت واعتصمت مطالبة بتحقيق مطالبها؟! من المرجح أن الهدف هو هذا وذاك، فقد دأب المالكي على اتباع سياسة الشدة والعنف في إخضاع من يعترض على سياساته أو يقف في وجهه.

إن ما يكمن وراء الفشل الأمني المدوي في العراق، هو بكل تأكيد التخبط وسوء الإدارة والفساد، وغياب الإرادة السياسية لمقاربة القضايا الخطيرة (عراقيا)، فهناك عجز خطير في القدرة على صياغة عقيدة قتالية وطنية ضد الإرهاب، بعيدا عن الولاءات الثانوية التي وقفت حائلا دون تحقيق ذلك. إن بقاء هذا العجز سيكون عاملاً أساسياً في تدهور أوضاع العراق نحو الأسوأ، وهو اقتتال مذهبي دموي يقود لا محالة نحو تفكك العراق وتقسيمه. فالانهيارات الأمنية الخطيرة التي شهدناها..

والتي من المتوقع أن نشهد غيرها، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأزمة السياسية التي يمر بها عراق ما بعد الانتخابات البرلمانية، وما تحفل به الأجواء من ترقب وتوتر وتشنج يتعلق بالصراع على منصب رئيس الوزراء، انتظارا لمواجهة اللحظة الحاسمة. فليس من المستبعد أن توظف هذه الانهيارات الأمنية لاتخاذها ذريعة لفرض إجراءات استباقية تعطل، بشكل جزئي أو كلي، تنفيذ استحقاقات التحالفات المتوقع انبثاقها لتغيير الخارطة السياسية في المرحلة القادمة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات