الإمارات.. أرقام قياسية وانعكاسات داخلية

يواجه مجتمع الإمارات اليوم كغيره من المجتمعات النامية عدداً من التحديات البنيوية المرتبطة بعملية التغير المجتمعي وتأثيرات العولمة الخارجية وتطورات البيئة الاقتصادية الدولية. فدولة الإمارات استطاعت وفي زمن قصير أن تضع دعائم دولة عصرية ذات اقتصاد ديناميكي متطور وبنية تحتية راقية وسمعة خارجية مدوية. هذا التطور السريع أدخلها في دائرة جديدة من الالتزامات..

كما ألزمها بمعالجة عدد من الملفات الصعبة المرتبطة بعملية التنمية. تحديات التنمية المستدامة وتحديات التحول نحو المؤسساتية وإدماج المواطن في صنع السياسة العامة والحقوق والحريات المدنية، وإعادة هيكلة الاقتصاد واقتصاد المعرفة وتحديات الموارد البشرية، وغيرها من التحديات.

والتي هي نتاج أمين لذلك التحول المادي السريع. ولا شك أن جميع مجتمعات الخليج قد شهدت خلال العقود الماضية التحولات نفسها، إن لم نقل طفرات، وقد تم إنجاز معظم تلك التحولات بما يتناسب مع المصالح الوطنية والمحافظة على الأمن والاستقرار المجتمعي. ولكن دولة الإمارات قد تعاني أكثر بفعل وضعها الاقتصادي والاجتماعي الخاص. لذا فحاجتها إلى مزيد من الجهود لضمان عملية تحول مدروسة هي حاجة ماسة حتى لا تضطر مستقبلاً أن تدفع ثمناً غالياً لتلك التحولات الكبيرة.

وبما أن الاقتصاد هو الحصان الذي يقود العربة، إذا يلعب الاقتصاد الدور الأبرز بين كل تلك التحولات ونتائجه هي الأعمق والأقوى. فالاقتصاد هو المكون الرئيس لعملية التنمية المستدامة، وهو يتحمل العبء الأكبر في تمويل تلك التحولات، ولذا تبرز ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد لمواجهة متطلبات كل مرحلة على حدة. فعلى الرغم مما حققته الإمارات من تقدم ملموس على كل الصعد الاقتصادية..

حيث وصل اقتصاد الدولة إلى أعلى وأسرع معدلات النمو وخاصة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من أن الإمارات حصلت على المراتب الأولى حسب التقارير الدولية في العديد من الفئات المرتبطة بالاقتصاد كفئة التنافسية الدولية وفئة الاقتصادات الناشئة، إلا أن تلك الأرقام لا يمكن تفسيرها على أنها حقائق يمكن الركون إليها. فهي مؤشرات تنموية جيدة ولكنها قد تلزمنا بضرورات مجتمعية عدة.

فأحد أهم الضرورات هي ضرورة خلق نظام تعليمي مرن ومواكب للتطورات العالمية خاصة في مجالات البحث العلمي والتقنية ووسائل الأداء. العمل على نشر سمات التعليم المتمثلة في روح الابتكار والإبداع وتنمية المهارات الأساسية اللازمة لسوق العمل قضية مهمة أخرى.

ضرورة تطوير مثل هذه القضايا يحتاج ليس فقط لتطوير البيئة العلمية ولكن تطوير البيئة الاجتماعية والقانونية. فسن التشريعات والقوانين المواكبة للتطور الحاصل في المجتمع قضية مطلوبة. من ناحية أخرى فتحديد أولويات تلك القضايا نابع من منظور الاحتياجات المحلية والإقليمية بما يحقق تعبئة الموارد الحكومية والقطاع الخاص الأمر الذي يضمن زيادة الإنتاجية وتقليل التكلفة وتطوير الأداء من أجل تنمية مستدامة وشاملة.

ضرورة أخرى مهمة هي في مجال تطوير وتنمية الموارد البشرية وتأهيلها وتدريبها. فلا بد من تأهيل القيادات المستقبلية القادرة على مواصلة العمل المجتمعي في كل المجالات الاقتصادية والعلمية والبحثية والمجتمعية.

وأخيراً لا يجب أن نغفل حقيقة مهمة وهي أن الإمارات، كبقية دول الخليج، تعاني من قضايا جوهرية يأتي على رأسها قضية الخلل السكاني وتدني نسبة المواطنين. فعلى الرغم من أن العمالة الوافدة قد أوجدت حلولاً وقتية ساهمت بشكل إيجابي في عملية التنمية إلا أن ذلك لا يجب أن يصرف انتباهنا عن القضية الأهم وهي إيجاد الحلول الدائمة لحل الخلل حتى لا نضطر إلى مواجهة المستقبل بهواجس وخوف كبير.

إن حصول الإمارات كل يوم على إحدى المراتب العالية ومستويات الأداء المتميزة لا شك يحملنا عبئاً كبيراً، ألا وهو المحافظة على هذا الرصيد المتميز الذي حصلنا عليه والإضافة إليه. فكما علمنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن الوصول إلى القمة لم يكن يوماً بالأمر السهل ولكننا بعملنا وجهودنا وصلنا.

ولكن الانتقال من قمة إلى قمة أخرى هو أمر حيوي آخر غاية في الأهمية. فلا يمكن أن نضيف نقطة إيجابية أخرى لرصيدنا المتميز إلا إذا كنا نقف على أرضية صلبة خالية من العوائق والتحديات. أن قدرتنا على توفير تلك الأرضية الصلبة هي حماية لنا وللأجيال في المستقبل من كل ضرر وهو مؤشر جيد على أننا ماضون بعزم في الطريق المدروس للتنمية المستدامة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات