لعلها المصادفة وحدها ما جمع في اليوم نفسه بين الإعلان الرسمي عن ثقة الشعب المصري في المشير السيسي رئيساً لجمهورية مصر العربية، وانعقاد مؤتمر الحق في الحياة، الذي نظمته في القاهرة المنظمة الدولية الخليجية لحقوق الإنسان، تكريماً لشهداء القوات المسلحة والشرطة في الإمارات، ومصر، وفي مقدمتهم شهيد الإمارات طارق الشحي، لكن هذا التلاقي، على مصادفته، حمل رسالة مهمة تمثلت في أن فوز المشير عبد الفتاح السيسي ربما كان الضمادة التي كان ينتظرها كثير من أهالي الشهداء في مصر، لمواساتهم في أبنائهم، الذين سقطوا في ميدان العزة والشرف يدافعون عن أمن مصر وأهل مصر، في وجه عصابات الظلام والإرهاب والإجرام، فهؤلاء الذين اختاروا أن ينحازوا للعين التي باتت تحرس في سبيل الله، غير أولئك الذين حملوا مخارزهم الدنيئة يحاربون هذه العين، وهؤلاء الذين يسهرون لكي ينام الأطفال والآباء والأمهات آمنين مطمئنين في بيوتهم، غير أولئك الذين لا يعرفون سوى لغة الدم والقتل والإجرام، حتى ليخيل إليك أنه لا برنامج لهم سوى الذبح!
لكن اليوم في مصر مختلف، فالشعب المصري قال كلمته بالصوت العالي الواضح المسموع: نعم للاستقرار، ونعم للتنمية، ونعم لوحدة الشعب المصري، ونعم لمصر التي تتلاحم وتتكامل مع أشقائها، ولا وألف لا لحشر مصر في زاوية، أو خنقها بالتفكير المنغلق والتطرف المقيت.
بعد أن قام الشعب المصري بثورته المجيدة ضد الإخوان في الثلاثين من يونيو، كتب أحد المتفذلكين من دعاة الإخوان، مدعياً أن سقوطهم يعود لأربعة أسباب: التيار العلماني، والتيار الفرعوني، وعلمنة الجيش، وتغريب الشعب، ولا جديد في هذا التبرير، فقد تعودنا من الإخوان عدم القدرة على الاعتراف بعجزهم وفشلهم، وإلقاء اللوم دائماً على غيرهم، بل وعدم الاعتراف بالشعب ابتداء إلا إن كان بصّيما لهم.. ألا ترى أنهم في كل انتخابات يخسرونها لا يقدمون تفسيراً لخسارتهم إلا التزوير!
وها هي نتيجة الانتخابات التي أعلنت بالأمس، تمثل صفعة جديدة لهم، ولما يروجون من نظريات سخيفة مثل هذه، فلا الشعب المصري تغرب أو فقد هويته، ولا الجيش «خير أجناد الأرض» تعلْمن، وهو الذي تقام في معسكراته الصلاة خمس مرات جماعة كل يوم، ولا تخلى المصريون عن عروبتهم أو عن تدينهم وهم المجبولون فطرة على التدين، إنما فعلوا مثلما فعلنا، ومثلما يفعل كل مسلم صادق الإسلام، نبذنا ونبذوا تجار الدين، وشذاذ الآفاق والقتلة المحترفين، والأحزاب الضالة، التي لا تعترف من الإسلام إلا بالذبح والقتل والتفجير، والجهل والغدر والتجهيل!
وإذا كان التوصيف الرسمي للانتخابات الرئاسية المصرية هو المرحلة الثانية من خريطة المستقبل، فإن الوصف الشعبي المنطقي هو الموجة الثانية لثورة الثلاثين من يونيو، تجدد روح مصر وتبث فيها دفقات خافقة من الأمل والتطلع نحو مستقبل مزدهر مشرق بإذن الله تعالى، ثم بعزيمة المصريين يتقدمهم رئيسهم القادم من ميدان المعركة ضد الإرهاب الجبان، إلى معركة لا تقل أهمية، وهي معركة البناء والتعمير.
وكم كانت جميلة كلمات سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، في برقية التهنئة للرئيس السيسي، حيث وجه رسالة واضحة المعاني تؤكد التزام دولة الإمارات نحو الشقيقة الغالية مصر، بقول سموه حفظه الله: «إننا ماضون بعزم صادق وإرادة صلبة في دعم الأشقاء في مصر العزيزة علينا، على المستويات كافة، والوقوف إلى جانبها في كل الظروف».
وهو ما جدد التأكيد عليه سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حين بادر بتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، بإعلان تأييد ودعم الدولة للمبادرة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين لعقد مؤتمر أشقاء وأصدقاء مصر للمانحين، مشيراً سموه إلى أن دولة الإمارات ستسهم بإرادة صادقة في كل الجهود التي من شأنها تمكين الأشقاء في مصر من مواجهة مختلف التحديات، وبما يحقق لهم ما يصبون إليه من عز وكرامة وتطور ونماء.
أما مؤتمر الحق في الحياة، الذي جاء قبل ساعات معدودة من الإعلان الرسمي عن البيعة للمشير السيسي، فقد كان مبادرة مهمة وصرخة صادقة في عتمة الصمت الإعلامي والدولي المريب، على المجزرة المستمرة بشكل يومي ضد رجال القوات المسلحة والشرطة في مصر العزيزة.
وأعتقد هنا أن المؤتمر يمثل فرصة للتذكير بحقيقتين مهمتين: الأولى هي أن الحق في الحياة يتقدم على بقية حقوق الإنسان الأخرى، وخاصة الحقوق الترَفية التي طالما أشغلتنا بها منظمات حقوق الإنسان الغربية، وهو ما تعترف به بشكل مباشر وصريح المادة 3 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والتي تقول: «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه».
والسؤال هنا؛ لماذا يكثر القفز عن هذه المادة، والهروب إلى حقوق ترَفية كثير منها خاص بمجتمعات أو بيئات معينة، ولا يصح تعميمه من دون النظر إلى طبيعة كل مجتمع ومنظومته الأخلاقية، أما الثانية فهي أن حق الحياة إذا كان مقدساً بالنسبة للفرد العادي (أي المدني)، فإنه يصبح واجباً مضاعف القدسية عندما يتعلق الأمر بحياة الجندي، عسكرياً كان أم شرطياً، لأن حق الحياة هنا يتعدى حياته هو كونه فرداً إلى حياة من يحميهم، أي نحن كوننا مدنيين، ولذلك فإن المنطق يقتضي أن يتم التعامل مع جريمة الاعتداء على حياة الجندي، بشكل مشدد ومجرّم لما يحمله من تأثيرات مضاعفة.
لقد كانت مبادرة المنظمة الدولية الخليجية لحقوق الإنسان بعقد هذا المؤتمر في القاهرة، تكريماً لذكرى شهيد الإمارات طارق الشحي، وكذلك لشهداء الجيش والشرطة المصريين، فرصة حقيقية لتمتين مشاعر الود المتبادل بين شعبي البلدين الشقيقين، بعيداً عن البروتوكوليات الرسمية، وانغماساً في التمازج الشعبي الحقيقي، الذي شعرنا به ونحن نمر في شوارع القاهرة، التي تحمل مع أعلام مصر..
أعلام الإمارات والسعودية وشقيقاتهما.. ومع صور الرئيس السيسي صور قادة الإمارات، والسعودية، وبقية الدول العربية، التي ساندت خيارات الشعب المصري. هكذا هي حقيقة العلاقة بيننا، وهكذا نتمنى أن تستمر، رغم أنف تجار السواد.