عوشة وحلم الوزارة

لا أحد يستطيع أن ينتقي أحلامه، لكنني أستطيع، وأنا دائماً أصحو على حلم يسرقني من واقعي إلى واقع أجمل، فيه أحقق كل ما أتمناه وما لم أستطع تحقيقه في الواقع.. أحلم هذه الأيام بأنني أصبحت وزيرة وبأنكنّ تعملن في النظافة عندي..

بهذه الكلمات بدأت عوشة حديثها الصباحي مع جاراتها، فأجابتها أم فوزي: أظن أنه يجب إضافة مادة في القانون تعاقبك أنتِ بالذات على أحلامك، وأردفت أخرى: يجب أن تحصلي على تصريح من البلدية قبل أن تحلمي، لقد كبرتِ على هذه الأحلام يا عوشة.

وبثقة كبيرة ترد عوشة: الأحلام لا تكبر، وإذا لم نكن على استعداد لتحقيق أحلامنا فالأفضل ألا ننام أبداً.. إن أبشع السجون هو سجن الأفكار السلبية، وأنا لست سلبية، يوماً ما سأكون من أردت لنفسي.. بنفسي، فأنا لن أتكرر مرتين! إن نملة غيّرت مسار جيش. فنظرن إليها باستغراب! وقلن: ما شاء الله عليكِ يا نملة.

وقبل أن يكملن تهكّمهنّ، قالت أم فوزي: اعطني فنجان قهوتك سأقرأ لكِ الفنجان.. عوشة: كذب المنجمون ولو صدفوا.. أم فوزي مندهشة وهي تحملق في الفنجان: انظري يا عوشة، سبحان الله هذا مكتب كبير، وهذا يعني أنك ستصبحين مسؤولة كبيرة.

عوشة: ليس المنجمون كاذبين دائماً، وبصوت عالٍ ومن دون مقدّمات صرخت: سأرشح نفسي للوزارة! نعم، سأرشح نفسي..

لقد قررت التوقف عن الأحلام وتحقيقها على أرض الواقع، لقد كنت أمازحكن؛ إذا أصبحت وزيرة سأعينكنّ مديرات، فأنا أثق بقدرتكن على تسيير شؤون الوزارة، لنقم بواجبنا على أكمل وجه وسيأتي إلينا المستقبل كما نريد، علينا أن نخشى الأفكار القديمة لا الجديدة، أليس هذا كلام صاحب السمو رئيس حكومتنا؟ لقد كان ماضينا برغم قسوته رائعاً، وحاضرنا بفضل حكّامنا سيكون أروع، ويجب علينا نحن أن نسهم بكل ما أوتينا في أن يبقى حاضرنا ومستقبلنا أفضل..

أم فوزي: اعتبري ابني فوزي المشرف على حملتك الانتخابية لتصبحي وزيرة. جاء فوزي: أي حملة؟ وأي انتخاب؟ وأي وزارة؟ عوشة: يا ابني يا فوزي اسمع كلام الوالدة، رضى الوالدين أهم من أبيك وأمك.. أريدك أن تنصب لي خيمة تكون مقري الانتخابي..

وفي اليوم التالي نُصبت خيمة كبيرة في الفريج.. وحضرت عوشة وجاراتها.. عوشة: والله يا فوزي إنك نمر، فأجابها: بل أسد، فقالت: لا فرق، المهم حيوان.. وفي هذه الأثناء توقفت سيارة تحمل الرقم (1) أمام الخيمة، ونزل منها صاحب السمو رئيس الحكومة ترتسم على محياه ابتسامة ساحرة.. صاحب السمو: السلام عليكم.. لكن المفاجأة جعلت عوشة وجاراتها غير مصدقات أنه أمامهن..

عوشة بعد أن استوعبت الموقف: وعليكم السلام.. أنا عوشة، وقبل أن تكمل تدخلت أم فوزي: وأنا أم فوزي.. سلّم عليهن سموه وتابع: سمعت أنك يا عوشة تريدين الترشح للوزارة.. نعم يا سيدي، أتمنى أن أعمل تحت إشراف سموكم المباشر..

لكن يا عوشة ألا تعلمين أن الوزارة لا يتم الترشح لها بالانتخاب.. عوشة تنظر إلى فوزي محاولة تدارك الإحراج وقالت له: عيب عليك، رجل في طولك وعرضك، لا يعرف أن الوزارة ليست بالانتخاب.. فوزي متفاجئاً: أنا.. أنا، ويلتفت إلى أمه التي بدا عليها الغيظ!

صاحب السمو رئيس الحكومة: لقد حققت الحكومة بتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة - حفظه الله - إنجازات كبيرة على الصعد المجتمعية والتعليمية والصحية والاقتصادية والبيئة والبنية التحتية والأمنية والقضائية..

إن محطات نجاح الحكومة تتلخص في مجتمع متلاحم محافظ على هويته، ونظام تعليمي رفيع المستوى، ونظام صحي بمعايير عالمية، واقتصاد معرفي تنافسي، ومجتمع آمن وقضاء عادل، وبيئة مستدامة وبنية تحتية متكاملة، إضافة إلى تطوير القطاع الحكومي..

وأنا أتيت إليكِ اليوم يا عوشة لكي أستمع إلى أفكارك الجديدة، وتصوراتك لإنجازات جديدة، فماذا لديكِ؟ عوشة تنظر إلى جاراتها، وتشعر بحرقة وجفاف في الحلق: كل هذه الأمور الرائعة أنجزتها حكومتنا الرشيدة؟ ماذا سيكون لديّ بعد؟! صاحب السمو: نعم يا عوشة، وأكثر منها بكثير أيضاً..

عوشة: إن دولة حباها الله بمثل هذه القيادة، مجرد أن يكون الإنسان أحد مواطنيها يعدّ هذا حلماً بحدّ ذاته.. شكراً لكم يا سيدي على كل ما تبذلونه من أجلنا..

 لو سمحتم لي يا سيدي بكلمة على انفراد؛ إن خير الحديث أصدقه، وأنا سأصدق سموك القول، لقد كنت أشعر بالوحدة، وسمعت في إحدى القنوات أن الدراسات النفسية تقول إن من لا يحلم لديه فجوة عاطفية، وأنا اكتشفت أن لديّ حفريات، لذلك اخترعت هذا الحلم..

صاحب السمو: كل مواطن في دولتنا الحبيبة وزير بعمله يا عوشة.. إن سر تميّز دولة الإمارات العربية المتحدة، هو أن الأهميّة فيها ليست للمنصب وإنما للأعمال.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات