واضح أن المدارس الخاصة تتعامل مع مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية، على أنها فرض كفاية، إذا قامت بتدريسها المدارس الحكومية سقطت عن المدارس الخاصة.
وإلا فما الذي دعا وزارة التربية والتعليم إلى إعداد وتبني مبادرة تقضي بإلزام المدارس الخاصة بتدريس هذه المواد، وتشكيل فرق رقابية لمتابعة هذه المدارس، وإلزامها بخطة سنوية لتعزيز المواطنة، وتنظيم ورش عمل لتطوير قدرات معلميها، وإنشاء مسابقات وأنظمة لربط التعليم الخاص ببيئة الإمارات؟
المبادرة التي أعدها مختبر الإبداع الحكومي في الوزارة، ونشرت تفاصيلها صحيفة «البيان» الأسبوع الماضي، لم تتجاهل الزيارات الميدانية التي من المفترض أن تنظمها إدارة التراخيص لضمان جودة تعليم المناهج بشموليتها، ومزجها بين المعرفة ومنظومة القيم، والموروث الثقافي الإماراتي، والتعايش المجتمعي.
هذه المبادرة بقدر ما أسعدتنا بإلزامها المدارس الخاصة بتدريس مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية، ووضع آليات تنفيذية لهذا الإلزام، إلا أنها على الجانب الآخر أشعرتنا بالحزن والقلق على هويتنا الوطنية، كون هذه المدارس لا تشعر بمسؤوليتها عن تعزيز هذه الهوية لدى الطلبة المواطنين الدارسين فيها.
ذلك أن التربية الإسلامية واللغة العربية والدراسات الاجتماعية، مواد ثلاث تشكل في مجموعها مادة واحدة هي التربية الوطنية، فالدين واللغة والتاريخ والجغرافيا هي المكونات الأساسية لشخصية أي مواطن على أي أرض في أي مكان.
وعندما نهمش الدين، ونهمل تعليم الطالب لغته الأم، ونلغي تاريخ وجغرافية الأرض التي يعيش عليها، والأمة التي ينتمي إليها، فنحن نرتكب في حق هذا الطالب جريمة كبرى، ونخلق منه مواطناً مسخاً، لا علاقة له بوطنه وأمته.
وحين تعمد وزارة التربية والتعليم في الدولة إلى تشكيل فرق رقابية لمتابعة التزام المدارس الخاصة بتطبيق المناهج المستهدفة، فهذا يعني أن هذه المدارس غير ملتزمة بتطبيق المناهج التي تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية..
وحين لا تلتزم المدارس الخاصة بتطبيق هذه المناهج، فهذا يعني أن هذه المدارس غير معنية بتعزيز الهوية الوطنية، ولا مهتمة بهذا الجانب في تكوين شخصية الطالب.
. وعندما لا تعنى المدارس الخاصة بهذا الجانب في تكوين شخصية الطالب، فهذا يعني أنها لا تقيم وزناً للهوية الوطنية، إذ رغم تنوع البرامج والمناهج التي تقدمها هذه المدارس، فإن هذه البرامج والمناهج لا تجعل من نتاجات التعليم المتعلقة بالتربية الوطنية واللغة العربية والتربية الإسلامية أولوية، أو ذات أهمية في كثير من الأحيان.
وفقاً لتصريح مديرة إدارة تراخيص المدارس الخاصة في وزارة التربية والتعليم، الذي تؤيده شواهد كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، اختصار بعض المدارس الخاصة لما مجموعه 342 صفحة، هي عدد صفحات كتب التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا لطلبة الصف الثامن، في 22 صفحة فقط من كتاب التدريبات، وإلغاء الكتب الثلاثة.
وضع مختل وخطير، لا نعتقد أن له شبيهاً في الدول الأخرى التي تحكم سيطرتها على التعليم، بالدرجة نفسها التي تحكم بها سيطرتها على الأمن.
وإذا كان الأمن يمثل ضرورة لضمان الاستقرار في الحاضر، فإن تعزيز الهوية الوطنية يمثل ضرورة لضمان استمرار هذا الاستقرار في المستقبل، وحين يهمل التعليم الخاص تعزيز الهوية الوطنية، فهذا يعني أن هناك ثغرة كبيرة في نظام التعليم بشكل عام.
فالتعليم الخاص، وفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، يستحوذ على 39% من المدارس في الدولة، و65% من إجمالي عدد الطلبة، مقابل 35% للمدارس الحكومية، حيث بلغ عدد المدارس الخاصة على مستوى الدولة 483 مدرسة، يدرس فيها 588 ألفاً و141 طالباً وطالبة، مع ملاحظة وجود زيادة مستمرة في أعداد المدارس الخاصة، خصوصاً المتحدثة بالإنجليزية.
وعزا التقرير الصادر عن وزارة التربية والتعليم تزايد أعداد المدارس الخاصة والدارسين فيها إلى أسباب عدة، من بينها ظهور اتجاه عام لدى المواطنين بتفضيل دراسة أبنائهم في المدارس الخاصة، رغبة في تحقيق نوعية تعليم أفضل، خصوصاً في اللغة الإنجليزية. وقد أسهم في تعزيز هذا التوجه، ارتباط قبول الطلبة في جامعات الدولة بحصولهم على شهادة في إجادة اللغة الإنجليزية.
ازدياد عدد المدارس الخاصة مفهوم في ضوء تزايد عدد الجاليات الأجنبية في الدولة، ورغبة هذه الجاليات في تعليم أبنائها المناهج التعليمية المقررة في بلدانها، وفي ظل وضع الدولة قوانين تحدد نسب الملتحقين بالمدارس الحكومية من غير المواطنين، لكن غير المفهوم أن لا تمارس الدولة سيادتها في فرض مناهج التربية الوطنية على هذه المدارس، خاصة إذا علمنا أن نسبة الطلبة المواطنين في المدارس الخاصة في إمارة دبي، على سبيل المثال، بلغت 51% من إجمالي عدد الطلبة المنتظمين في هذه المدارس، وفقاً لإحصاءات هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي.
أي أنهم يمثلون أكثر من نصف عدد الطلبة المسجلين في هذه المدارس، وهي نسبة تدق ناقوس الخطر تجاه هويتهم، إذا استمر تهميش تربيتهم الوطنية، وإذا استمر تجاهل هذه المدارس لتعليمات وزارة التربية والتعليم التي تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية والثقافة الإماراتية.
ومنظومة القيم التي تسعى مبادرة الوزارة إلى تعزيزها، هذه المبادرة التي نأمل أن تكلل بالنجاح، ولا تذهب أدراج الرياح مثلما ذهبت مبادرات كثيرة قبلها، على أمل أن تتحول «التربية الوطنية» من فرض كفاية تقوم بأدائه المدارس الحكومية وحدها الآن، إلى فرض عين تؤديه المدارس الخاصة أيضاً، عن اقتناع بأهميته ودوره في بناء المواطن الصالح، دون رقابة أو خوف من أحد.