قبل مدة، نشر كيشور محبوباني، مقالاً في صحيفة «لونوفيل أوبسيرفاتور» الفرنسية، موضوعه «عودة آسيا إلى الصدارة تقوّم شذوذاً تاريخياً». ورغم التزامه الإيجاز والتركيز، فقد أورد المقال معطيات وحقائق، من شأنها أن تقض مضاجع المعنيين بديمومة مكانة الغرب على قمة الحضارة الإنسانية.
يقول محبوباني، البروفيسور الجامعي ووزير خارجية سنغافورة الأسبق، الذي أدرجته دورية فورين أفيرز عام 2011 ضمن أهم مئة مفكر عالمي؛ إن العالم تغير في الثلاثين عاماً الأخيرة بما يفوق معدل تغيره خلال ثلاثة قرون، وآية ذلك اندماج 500 مليون آسيوي في الطبقات الوسطى، ولم يحدث في تاريخ البشر أن خرج مثل هذا العدد من دائرة الفقر بمثل هذه السرعة.
وتتوقع دراسات الأمم المتحدة أن يبلغ هذا الرقم ثلاثة أمثاله بعد سبعة أعوام فقط؛ ليصبح حجم هذه الطبقات 1.7 مليار نسمة، وهو رقم يفوق نظيره في الغرب على جانبي الأطلسي.
محبوباني يعلل هذه النتيجة بتخلي القائد الصيني الفذ دينغ سياو بينغ وخلفائه، عن الاعتقاد الشيوعي الجامد، وفرض اقتصاد السوق على الصين؛ تلك الخطوة الشجاعة التي أفضت راهناً إلى شغل الصين المركز الثاني على سلم الاقتصاد الدولي، وقد تشارك الولايات المتحدة المركز الأول بحلول 2016.
وضمن حيثيات هذه النقلة النوعية الجبارة، يشير الكاتب إلى حكمة القادة الصينيين وبعد نظرهم الاستراتيجي. فهم لم يتعجلوا إحلال الديمقراطية كما فعل غورباتشوف في روسيا، وسايروا الاعتماد الأميركي المفرط على القوة العسكرية في أكثر من قضية.. وهم يدركون أن النفقات العسكرية الفلكية هي التي أطاحت بالعملاق السوفييتي من قبل.
ويخلص محبوباني إلى أن «الأصدقاء الأوروبيين والأميركيين عليهم إعداد أنفسهم لعالم تضارع فيه كفة آسيا، والصين في صدارتها، كفة الغرب، وربما تغلبها وتعلوها».
والمثير أنه يجد في هذا التحول الفارق أمراً طبيعياً يعيد تصحيح مسار التاريخ، لأن «حصة الصين والهند من الاقتصاد العالمي قبل قرنين، لم تكن تقل عن النصف».
من الواضح أن أفكار محبوباني على صلة وثيقة بحقل والرؤى الخاصة بصعود وهبوط الحضارات. وهذا الحقل بات مزدحماً بالتوقعات التي تكاد تلتقي على النتيجة ذاتها، وهي أن عالمنا المعاصر يشهد طفرة آسيوية تقودها قاطرة الصين، ربما تذهب بانفراد الغرب بهذه القمة.
لكن ما يلفت النظر في مداخلة محبوباني، هو مخالفتها للمقولة الشائعة عن الدور السلبي للكثرة السكانية على معدلات النمو والتطور الاقتصادي. فحديثه عن إفلات مئات ملايين الآسيويين من مربعات الفقر إلى حوزة الطبقات الوسطى، يؤكد أن زيادة هذه المعدلات أو نقصانها منوطان بأسلوب توظيف البشر.. وهذا الأسلوب منوط بحصافة القيادات وقدرتها على الإبداع والابتكار.
ويبدو أن محبوباني لم يجد حاجة للاستطراد إلى إحدى مسلمات عوامل النهوض الآسيوي؛ وهي أن أولي الأمر في الصين والهند، وبقية النمور الآسيوية، لم يركنوا إلى السياقات النظرية التي تعلق الفقر والتخلف بذمة أرحام شعوبهم الخصبة.
المفارقة هنا، أنه بينما انكسرت موجة الجأر بالشكوى من الزيادة السكانية في آسيا، راح الأوروبيون والأميركيون يتحسسون ويتحسبون من العوائد السلبية لانخفاض معدلات هذه الزيادة لديهم.
نحن، هنا، إزاء مشهدين مثيرين للفضول: نزوع آسيوي لتجاوز مفهوم عبء التكاثر السكاني، عبر توظيف السكان بما يناسب مقتضيات التقدم وتحسين مستويات المعيشة.. مقابل عزوف وإحجام عن الإنجاب والتكاثر في عالم الغرب، ما سيضعف كتلة المنتجين والمستهلكين، ويعزز قوام المسنين المعتمدين على غيرهم.
يتصور محبوباني أن على الغربيين الاعتراف بالتغيرات التي تتربص بمكانتهم المركزية، ويقترح عليهم التخلي طواعية عن بعض رموز هذه المكانة، مثل رئاسة صندوق النقد والبنك الدوليين، وإيكال مقعد واحد لأوروبا في مجلس الأمن بدلاً من مقعدي بريطانيا وفرنسا، وإفساح مقاعد في هذا المجلس لكل من الهند والبرازيل ونيجيريا..
ومن دواعي الأسى أنه في معرض هذه الاقتراحات حول موازين القوى في عالم الغد القريب، لم يلتفت الفيلسوف السنغافوري إلى العرب، ولا أشار إليهم ولا وعدهم بشيء!