المؤسسات التي تعثرت كثيراً في الماضي وتخبطت في العديد من جوانبها وخطواتها، تتجذر فيها يوماً إثر يوم، ثقافة مؤسسية مريضة ومُمْرِضة، تتمنع على الإصلاح لاحقاً، وتستعد تلقائياً لمواجهة كل حل أو تغيير بأساليب إفشال عِدة، وتختبئ خلف الكواليس ووراء الابتسامات المصطنعة وهز الرؤوس، أصابع تتحكم في مصير المؤسسة وتُحرك مكوناتها وأفرادها نحو توجه لا يتغير: لا للتغير!
هم لا يتحركون، ولا يعرفون أن هناك شيئاً اسمه «المبادرة»، ولا يُتعبون أنفسهم بالبحث عن حلول، بل جُل همهم، وكأن ذلك مبرر دفع رواتب مجزية لهم، هو لملمة المشاكل وتضخيم المعوقات، وتكبير كل صغيرة، والتباكي من الحظ السيئ والآخرين الذين لا يتعاونون والموظفين الذين لا يعملون، في رسالة صامتة لكنها واضحة لمن يتفكر فيها، بأن المطلوب هو تقبل الوضع كما هو والتكيف معه، فلا جدوى من غارات دون كيشوت وحصانه البائس على طواحين الهواء!
في سعيهم الحثيث لإمراض ثقافة المؤسسة أكثر، حتى تخدم أجنداتهم الخاصة ومصالحهم الشخصية، فإنهم يجيدون استغلال ما حولهم من ظروف تخدمهم من دون تخطيط منهم.
ففي كثير من الأحيان يكون التغيير في قمة المؤسسة، وكل مسؤول يأتي ولديه من الطموحات الكثير ومن الحماس مثله، ولكن لا يلبث أن يصطدم بتلك العقليات المثبِطة، ويهدر جزءاً كبيراً من جهده في محاولة تحريك المياه الراكدة وشحذ الهمم «الميتة طوعاً»، لكي تشاطره ذات الرؤية وذات الطموح.
ولكن المتحكمين في الخيوط يفعلون دوماً عكس ما ينادي به، ويدفعون الموظفين في اتجاه مغاير لما يطلبه هو.
وهي استراتيجية ليست عفوية إطلاقاً، بل أزلية وإن خَفَتْ على البعض، إذ يتم تأخير كل شيء حتى وإن كان جاهزاً، وتصعيب كل أمر حتى وإن كان سهلاً، وتضييق وسائل العلاج حتى وإن كانت الخيارات في الحقيقة كثيرة، وذلك لكي يتسرب اليأس شيئاً فشيئاً إلى نفس المسؤول.
ويتلاشى حماسه بمرور الوقت، بعد أن يتم إنهاك قواه الذهنية والنفسية والبدنية، في معارك صغيرة لكنها مخططة بعناية من أولئك الذين يقبعون في أواسط الهياكل التنظيمية، ويعرف الجميع دون إفصاح - أنهم لن يتغيروا وسيبقون هناك لسنين عديدة، فالرهان عليهم من الموظفين رهان للمستقبل «المضمون».
والرهان على ذلك المسؤول رهان مرجوح قد لا يتعدى السنة أو السنتين، ثم يجد الموظف نفسه وحيداً أمام تلك الدينصورات التي لم تنقرض وأفسدت نظرية داروين في النشوء والارتقاء، وربما كانت سبب «فقع مرارته» قبل أن يموت!
الحل ليس صعباً، فمؤسسة بتلك الثقافة تحتاج «حقناً» لا «مكياجاً»، فانتظار أن يتقبل الجميع فكراً جديداً لم يألفوه ولا يحظى بدعم الدينصورات «الباقية»، لا يعدو أن يكون مطاردة للسراب، فما تجذر خلال سنين طويلة وتشربته عقول من يعيش في تلك الثقافة المريضة، لا يمكن أن يخرج بسهولة لمجرد أن الفكرة الجديدة طموحة أو تنشد مستقبلاً أجمل، فلسان حالهم: «دامني ما أشتغل ما راح أغلط، وإذا ما غلطت ما راح ينتبه أحد، وإذا ما انتبه أحد فبقائي مضمون»!
هنا لا بد من ترك محاولة أن تتغير تلك العقليات بالإقناع وتبيان جدوى وصواب خطة العمل التي تُطرَح، والطريقة الأفضل والأنجع والأسرع، هي بحقن المؤسسة بكفاءات تُشارك الفكر نفسه وتحمل الطموح نفسه، وتتقد بالحماس نفسه لتغيير الواقع السيئ.
وهو حقن من جهتين: خارجي بجلب كفاءات عالية القدرة تستطيع خلق الفارق بتوزيعها على المواقع الحساسة في المؤسسة، وداخلي بالبحث عن الكفاءات «المدفونة» و«المغضوب عليها» من الدينصورات، فهي فضلاً عن قدراتها الجيدة، تحمل ميزة لا يحملها القادم من الخارج، ألا وهي معرفة ماضي المؤسسة وما نجح وما لم ينجح، ومن بإمكانه أن يساعد ومن يتحكم بالخيوط وما أكثرهم!
إن النجاح ممكن، وخلق فارق إيجابي أمر ليس بمستحيل، ولكن التخطيط الجيد وحده لا يستطيع الإزهار ما لم يجد زخماً كبيراً يسانده طيلة الوقت.
فالمطبات القادمة كثيرة، وكلما كان الطموح بنجاح أكبر كلما كانت العوائق أشد وأكثر تعقيداً، ما يتطلب وجود أكبر عدد ممكن من العقول والأيدي التي تؤمن بالتوجه نفسه، وتحمل الحماس نفسه الذي لا يخبو.
أما من ينتظر «تعليمات» و«أوامر» لكي يعمل وينجز ما يتقاضى راتباً عالياً عليه منذ سنين طويلة، فلا يمكن أن يكون طرفاً في الحل، فعقليات كانت سبباً رئيسياً في وجود مشكلة القصور الكبير في أداء بعض المؤسسات، لا يُعقل أن يكونوا سبباً في حلها، إلا بطريقة واحدة: أن يُبعَدوا عن الطريق تماماً!