في مثل هذا الوقت من كل عام يتطلع الإعلاميون والأكاديميون والخبراء والمهتمون إلى دبي، يرهفون السمع، ويركزون البصر إلى الحدث الإعلامي الأكبر إقليمياً، وهو منتدى الإعلام العربي الذي أصبح المنصة الأهم التي يتحاور فيها صناع الرسالة الإعلامية عربياً وإقليمياً، حول هموم وشجون الإعلام في منطقتنا العربية.

ولا شك أن المنتدى أصبح قبلة إعلامية سنوية للإعلاميين والباحثين عن معرفة آخر ما استجد في هذه الصناعة الضخمة التي تسير بوتيرة متسارعة تختلف ملامحها كل يوم، في عالم باتت فيه الصورة والكلمة أكثر تأثيراً من طلقات الرصاص ودانات المدافع.

وما استوقفني في الدورة الثالثة عشرة، هو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «من ضرورة تحلي الإعلاميين بأخلاقيات المهنة وأصولها ومبادئها الثابتة، لرسم خريطة طريق للأجيال والكوادر العربية».

وهنا يجب التوقف طويلاً، لأن الالتزام بأخلاقيات المهنة هو الضمانة الحقيقية لصواب الممارسة، وهو الضامن لجبر أي خلل أو انحراف يصيب الممارسة الإعلامية.

وفي تقديري أن الأخلاق نابعة من البيئة وانعكاس لها، وهي ما ارتضته الجماعة الإنسانية في زمان ومكان محددين، بحيث ينظر إلى الخارجين عليها باعتبارهم تجاوزوا الرضى المجتمعي.

ولأن الأخلاقيات انعكاس لفكر وحركة المنظومة القيمية للمجتمع فهي نسبية، فما قد يجرم أخلاقياً في مجتمع ما، قد يكون مقبولاً في مجتمع آخر، لذا فإن الممارسات الإعلامية المنضوية والمحمية بسياج أخلاقي التي تدور معها حيث دارت، لا شك أنها تختلف باختلاف طبيعة المجتمع، وتتماهى مع منظومته القيمية والأخلاقية.

كما أن العديد من هذه الأخلاقيات من وضعها هم الإعلاميون أنفسهم، فالإعلامي شأنه شأن غيره، لا بد له من سياج مهني أخلاقي يعمل في إطاره، وهو ما أدى إلى تعدد النظم الإعلامية عالمياً، بين النظام التجاري والنظام الاحتكاري ونظام المسؤولية الاجتماعية والنظام المختلط.

بحيث يلبي كل نظام احتياجات جمهوره، ويتوافق مع ظروف مجتمعه، وهو ما يؤكد أهمية بلورة رؤية عربية خالصة لممارسات الإعلام العربي، تتماهى مع الواقع العربي وتلبي احتياجاته، ما يعظم قيمة ما يؤديه الإعلامي، ويعطي شرعية مجتمعية للمادة الإعلامية، فضلاً عن أن أفراد المجتمع يصبحون حين ذاك الظهير القوي والحامي للمهنة والقائمين عليها.

وفي تقديري أن وسائل الإعلام العربية مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى، بأن تكون وسيلة للبناء لا الهدم، وأن تقوم بالدور المنوط بها في صياغة الأذواق وتهذيب السلوك وترقية الفكر ونشر الثقافة، ونبذ التعصب الذي يفرق ولا يجمع ويصنع حروباً كلامية لا طائل من ورائها، كما ينبغي على وسائل الإعلام العربية التي باتت تتحكم في الكثير منها رؤوس الأموال الخاصة، أن تربأ بنفسها عن المصالح الضيقة.

وتنظر إلى مصلحة شعوبها التي تنتظر منها أن تكون النافذة التي تطل منها على الحق والحقيقة، ومساعدتها على تخطي المحن وما تلاقيه من صعاب، وأن تفتح لها طريقاً للأمل عبر مناقشة قضاياهم بشكل حقيقي وموضوعي، من خلال أصحاب الرأي والمختصين والخبراء، وهو الدور التعويضي الذي يجب أن تقوم به ومن أهم أدوار وسائل الإعلام.

إن تأكيد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد دور وسائل الإعلام في تقويم الاعوجاج والإشارة إلى جوانب التقصير في مختلف مجالات الحياة، خاصة المتصلة بمستقبل المجتمع ومعيشته وتنميته اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وصحياً وثقافياً ونصرة قضايا العدل والحق وحقوق الإنسان، هي محطات أساسية يجب التوقف عندها، كما أنها إضاءات تنير الطريق أمام القائمين على صناعة الإعلام العربي، لأن مجتمعاتنا ما زالت تخوض معركة البناء والتنمية.

وهي من أصعب المعارك وأقساها، وتتطلب تتضافر كل الجهود وحشد كل الطاقات المجتمعية، وفي مقدمتها وسائل الإعلام، لتحفيز الجهود وترسيخ قيم العمل والبناء، عبر الكلمة الصادقة والفكرة البناءة لمصلحة أبناء المجتمع، مترفعين عن المصالح الذاتية أو المكاسب المادية.

وهذه هي المسؤولية الاجتماعية النابعة من الضمير المهني التي يحب أن يلتزم بها الإعلامي، مع تمتعه بالحرية في وقت معاً، فضلاً عن الموضوعية التي تعني التحرر من كل مأرب وهوى، وأن تكون الغاية هي الحقيقة لذاتها، مع البعد عن التجريح أو تشويه السمعة، والحفاظ على الحق في الخصوصية وصون الكرامة الإنسانية.

من هنا، فإن مصطلح الإعلام التصالحي الذي أطلقه الأستاذ إبراهيم العابد، الأمين العام للمجلس الوطني للإعلام، حين طرح رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدور الإعلام الإماراتي، هي امتداد طبيعي لحالة الإمارات المتصالحة التي أسفر تصالحها عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، كما أن نهج التصالح للإمارات، وثقافة التسامح بين أبناء شعبها، انعكسا على أداء الإعلام الإماراتي الذي كشف عنه بجلاء.

وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، من أن أحد أدوار الإعلام، إلى جانب الكشف عن مواطن القصور والتقصير، هو إبراز الوجه الحضاري للأمة، وهذا هو التوازن الذي يجب أن تراعيه الرسالة.

إن منتدى الإعلام العربي الذي كانت انطلاقته منذ ثلاثة عشر عاماً علامة فارقة في مجال التعاطي مع قضاياه بحرية، فضلاً عن كونه المناسبة الأبرز للدفع بالطاقات الصحافية المبدعة في كل الفنون الإعلامية، ولا شك أن الرعاية الكبيرة والمستمرة التي يلقاها المنتدى هي دليل على أهمية الدور الذي يقوم به الإعلام في مجتمعاتنا العربية.

باعتباره قاطرة التنمية التي تبدأ بالفكر المستنير والتخطيط الدقيق والكلمة الصادقة التي تتطلب أن تكون انحيازات الإعلامي دائماً لمجتمعه، في إطار من أخلاقيات المهنة التي اقترح على القائمون على المنتدى أن تكون موضوع الدورة المقبلة.