توارى معظم المؤرخين الجدد عن واجهة المشاهد الثقافية والإعلامية والأكاديمية في إسرائيل، إلا أن بعض مداخلاتهم ورؤاهم ما زالت توجع أصحاب النص الصهيوني التاريخي التقليدي عن النكبة الفلسطينية.

كان هؤلاء المؤرخون، مثل إيلان بابه وبني موريس وتوم سيجف وآفي شلايم، الذين ظهروا أواخر ثمانينات القرن الماضي، قد اطلعوا على الأرشيف الوطني الإسرائيلي وعلى بعض الوثائق الدولية خارج إسرائيل.

وانتهوا إلى التشكيك في الرواية الصهيونية الإسرائيلية حول بعض تفصيلات ما جرى أثناء حرب 1948/1949، كما عارضوا فكرة المسؤولية المطلقة للعرب عموماً عن مأساة اللجوء الفلسطيني العظيم، وحملوا الكثير من توابع النكبة على الجانب الصهيوني.

حينها، ووجهت هذه المراجعة الاحترافية الأكاديمية الموثقة، بهجوم صهيوني مضاد، كما أنها لاقت ترحيباً حذراً على الصعيدين الفلسطيني والعربي.

لقد خشي الصهاينة الأقحاح من شهادة يدلي بها بعض أهل البيت؛ تفضي إلى تعرية روايتهم المغشوشة، فيما توجس الفلسطينيون والعرب من أن تكون هذه الشهادة مجرد أداة لغسل التاريخ الأسود للغزوة الصهيونية الاستيطانية.

في السنوات الأخيرة، خفت حدة الجدل الذي نشأ عن هذه الظاهرة، إلى درك الأفول تقريباً، ولا سيما بعد أن نكص بعض هؤلاء المؤرخين على أعقابهم، وعادوا للاصطفاف خلف الرواية الرسمية.

لكن الأجواء الفكرية الإسرائيلية شهدت شيئاً من هذا الجدل، في غمرة الذكرى السادسة والستين للنكبة.

ومن ذلك قيام المفكر البارز شلومو أفنيري في مقالة له (هآرتس 5/5/2014)، باستنكار تبني قطاع من الصحافة الإسرائيلية لوصف ما جرى للفلسطينيين عام 1948 بالاقتلاع والتهجير والطرد..

وذهابه إلى ضرورة استبدال هذه المفاهيم جميعها بمصطلح «الهروب»، الذي ترتب على رفض العرب لقرار التقسيم الشهير وشنهم الحرب على دولة إسرائيل الوليدة. و

إمعاناً في تثبيت الرواية الصهيونية، يعود أفنيري بسيرة «العنف والإرهاب الفلسطيني» إلى ما قبل قرار التقسيم، مذكراً بأحداث العامين 1929 و1936، ويسفه المؤرخين اليهود الذين يزعمون أن أحداث 1948 أوقعت كارثة أو مصيبة بالفلسطينيين.

معتبرا أن «تلك الأحداث لم تكن نتاجاً لغضبة طبيعية كالزلازل والأعاصير، وإنما حصيلة مأساوية للقرار العربي بمنع قيام دولة يهودية في قسم من بلاد إسرائيل الانتدابية».

ينتمى هذا الرأي إلى أكثر الروايات الصهيونية تداولاً حول أحد أبشع فصول المأساة الفلسطينية، لكن الظاهر أن أفنيري الفصيح ومن على شاكلته، يعانون من خرف جماعي، ولا علم لهم بالمثل القائل «إذا كنت كذوباً فكن فكوراً»..

فمن باب التواقح والتبجح، إنكار صحة الموقف العربي برفض قرار التقسيم وقت صدوره، إذ كيف يقبل العرب قراراً يمنح أكثر من نصف الديار الفلسطينية لليهود، الذين لم تكن ملكيتهم فيها تزيد بأي حال على نسبة 8%؟ ثم إن القرار صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي غير ذات صلاحية أو أهلية في التصدي لذلك الأمر.

ومن باب ليّ عنق الحقائق التاريخية والقانونية، تنسيب أحداث 1929 إلى «الإرهاب العربي»، وهي ليست سوى الغضبة الشعبية الفلسطينية، التي أسمتها سلطات الانتداب البريطاني ذاتها بـ«هبة البراق».

وكان مؤداها رفض الفلسطينيين للتعديات اليهودية على الحائط الغربي للأقصى المبارك، وقد أقرت لجنة دولية أفرزتها عصبة الأمم للتحقيق في الواقعة، بأن «الحائط ملكية خاصة بالمسلمين وحدهم».

وينسحب المنطق ذاته على أحداث 1936، التي كانت رد فعل أخذ طبيعة الثورة على سيل الهجرة اليهودية المسلحة نحو فلسطين، والمعززة بالتواطؤ الانتدابي البريطاني. ترى من هو الشعب الذي يرى هكذا ظاهرة تهدد باستئصاله من الوجود، ولا يغضب وينتفض مقاوماً؟ أولم تؤكد الوقائع اللاحقة، بعد عقد واحد من السنين، صوابية التقدير الفلسطيني؟

ولعل أم المساخر في منطق أفنيري ورهطه، هي الاعتقاد بأن «العرب أرادوا منع قيام دولة يهودية في قسم من بلاد إسرائيل الانتدابية»، فهذا الزعم ليس إلا تجلياً لتلفيقات تاريخية عدوانية بامتياز.

 كيف لا وهو ينطوي على الادعاء بملكية فلسطين بكامل اسمها ورسمها للإسرائيليين؟ إن هذا الاعتقاد يعني ضمناً أن هؤلاء القوم لم يقيموا دولتهم الماثلة، سوى على «قسم من أرضهم»، وبالتداعي فإن بقية هذه الأرض مرشحة للتمدد الإسرائيلي، وليس لنشوء دولة فلسطينية.. وبعد ذلك يتحدثون في إسرائيل عن «الإرهاب الفلسطيني»!