لم يكن حدث استقبال دولة الإمارات العربية المتحدة لأولى حاويات المفاعل النووي الإماراتي، مجرد حدث احتفالي عادي، بل كان شاهداً متجدداً على معاني الإنجاز وجدية العمل ورؤية القيادة وطموح الشعب في هذه الدولة الفتية، المشغولة بتحقيق الطموحات العظام ومراكمة الإنجازات الاستراتيجية، التي تعلي شأن الدولة وترفع اسمها ورايتها عالياً بين أمم العالم بحاضره ومستقبله، فهذا هو ما تنشغل به أيدينا وعقولنا، فيما ينشغل غيرنا تارة بالثرثرة، وتارة ببناء القصور في الهواء.
ولعل أصدق وصف يوضح المنطق الذي تفكر به دولتنا الحبيبة تجاه هذا الإنجاز، هو مقولة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة: «إن للطاقة النووية السلمية دوراً مهماً لمستقبل دولتنا، فهذه المحطات ستوفر لنا الطاقة الكهربائية التي نحتاجها لتلبية متطلباتنا، إضافة إلى أن البرنامج سيوفر العديد من الفرص المهمة للكوادر الوطنية، وبالتالي، تعزيز مهاراتهم ومعارفهم للمساهمة في الازدهار الاقتصادي لدولة الإمارات».
فهذه الرؤية لا تصدر إلا من دولة تعرف بالضبط ما هي أولوياتها التنموية والوطنية، وتعمل لخير شعبها ومستقبله، وتسعى للبناء على ما تم من إنجازات لتعبيد الطريق أمام مسيرة متنامية من الإنجازات القادمة، لضمان الأمن الاقتصادي والتنموي والاجتماعي لأجيال المستقبل، فالمفاعل النووي والمشروعات الاستراتيجية الأخرى، كلها ذخر وسند وكنز لأجيال المستقبل من أبنائنا وأحفادنا وأبنائهم.
لذلك لا يكون مستغرباً في هذا السياق أن يتم تصميم وإعمار مسجد الشيخ زايد بمواصفات فنية تجعله قادراً على البقاء لمدة ألف عام (بإذن الله تعالى)، بما في ذلك مقاومة الزلازل والحرائق.. فالعقل الاستراتيجي الإماراتي لا يفكر لليوم فقط.
من هنا، أعتقد أننا جميعاً مدعوون إلى الاستفادة من حدث وصول أولى حاويات المفاعل النووي الإماراتي، لكي نستخلص منها دروساً تهمنا في فهم منطق التخطيط الاستراتيجي والتنموي الإماراتي، وكيف يمكن لنا كمؤسسات وكأفراد أن نستفيد من هذه الدروس، بما ينعكس إيجابياً على حياتنا وأعمالنا.
في الدرس الأول، نجد أن المشاريع تعتمد لكي تنفذ، وليس لكي تبقى قيد التنفيذ طيلة العمر. فعندما اعتمدت القيادة الرشيدة مبدأ إقامة المفاعل النووي الإماراتي، وضعت معه جداول التنفيذ وأجندته الزمنية، وها هو كل شيء يسير قدماً حسب الخطة الزمنية الموضوعة، لأن الإرادة منذ البداية كانت العزم على التنفيذ وتحقيق هذا المشروع الاستراتيجي الوطني الكبير، وليس الاكتفاء بالحلم به والحديث عنه.
وهذا أمر ليس مستغرباً على الإمارات، فقد شاهدناه في كل مشروعاتنا الاستراتيجية، من جزيرة النخلة إلى ميناء زايد وما بينهما وما قبلهما وما بعدهما. ويقول لنا الدرس الثاني: ثقوا بأبناء وطنكم، فمهما استعنّا بالخبرات الأجنبية، يبقى ولد البلاد هو الأساس.
لذلك كان تأهيل الكفاءات الهندسية والعلمية المواطنة جزءاً رئيساً من التخطيط لأي مشروع استراتيجي إماراتي، سواء في المفاعل النووي أو الأقمار الصناعية أو الصناعات المتقدمة أو غير ذلك. صحيح أننا لا نملك القدرات التقنية اللازمة لتصنيع المفاعل النووي بأيدينا، لكن أبناءنا سيكونون جزءاً رئيساً من عمليات تشغيله والبحوث التي ستتم فيه على مختلف المستويات.
ويستحق الإشادة هنا البرنامج الطموح للمنح الدراسية، الذي بدأته مؤسسة الإمارات للطاقة النووية منذ إنشائها، وانضم إليه العشرات من أبناء وبنات الإمارات الطموحين.
واسمحوا لي هنا أن أعيد للمتشائمين وأصحاب التفكير «المتعاجز»، ما قالته ابنتنا أماني الحوسني، وهي أول عالمة نووية إماراتية، في مقابلة مع البيان في 2012: «كي تصبحي عالمة ذرة وأماً لطفلين، لا يستدعي امرأة خارقة، بل يكفي أن تحبي العلم ويكون لديك شغف به».
أما الدرس الثالث، فهو: المال الذي لا يعز أهله لا فائدة منه.
فهذه المشروعات لا تقام من باب العبث، وإنما من باب إنشاء ذخر استراتيجي مستقبلي لأبناء الوطن، يضع في اعتباره متغيرات الزمن والتغيرات المحتملة على مستقبل أسواق الطاقة، إضافة إلى الاعتبارات السيادية الوطنية المختلفة. فالتحوط بمعناه الاقتصادي، لا يقتصر فقط على توفير الأموال السائلة، وإنما يتعداه إلى بناء المخزون الاستراتيجي والأسس القوية لاقتصاد مستدام وتنمية متوازنة.
وقد علمنا المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم حاكم دبي في النصف الأول من القرن الماضي، درساً لا يقدر بثمن، حين أنشأ صندوق تحوط للتجار في ثلاثينيات القرن الفائت، استفاد منه تجار دبي حين انهارت سوق اللؤلؤ الطبيعي في الأربعينيات.
ودرسنا الرابع، يعيد التذكير دائماً بأن التنمية المتوازنة هي الاسم الحقيقي للتنمية المستدامة، ولذلك، نجد أن التخطيط الاستراتيجي في الدولة اعتمد منذ البداية منطق التنمية المتوازنة، بحيث لا يبقى أحد في الدولة محروماً من مكتسبات الوطن، ولا تبقى منطقة خارج ما يحلم به القادة لأبنائهم وبناتهم من الإماراتيين والإماراتيات.
ولعل هذا ما يجعلنا دائماً في خلية نحل دؤوبة، لا تكل ولا تمل، لها هدف واحد.. هو سعادة الإنسان الإماراتي أينما كان. هل رأيتم كيف كانت تعابير الفرحة ترتسم على وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو يتحدث عن إعلان شعب الإمارات «أسعد شعب على وجه الأرض»؟ لقد كانت فرحة قائد يحصد ما غرس! والدرس الخامس، نتعلمه كل يوم: القائد (أو الرائد) لا يكذب أهله.
وهذه في الواقع نعمة نحمد الله سبحانه وتعالى عليها حمداً كثيراً، أن منّ علينا بقادة وضعوا في قمة أولوياتهم العمل لإسعاد شعبهم ورقيه، وجعلوا أهم اعتباراتهم أن يحققوا لهذا الشعب طموحات أبنائه، ويوفروا له سبل العزة والمنعة والحياة الكريمة العزيزة. ومثل هذا الدرس، هو الذي يجعلنا نقول دائماً: الحمد لله، فـ «الشيخ» لا يكذب أهله.