ليس من عادة الشرطة الإسرائيلية أن تكون حانية أو عطوفة وهي تتعامل مع الفلسطينيين، سواء الخاضعين منهم للاحتلال منذ 1967 أو الحاملين لمواطنتها قسراً منذ عام النكبة؛ المعروفين بفلسطينيي 1948. تحظر القوانين الإسرائيلية على رجال الشرطة استخدام السلاح أو حتى حمله، إذا ما تعين عليها معالجة أي مظهر احتجاجي لليهود، بينما يجري كنس كل المحظورات وإلقاؤها ظِهرياً، في حال كان الفلسطينيون هم المستهدفون بالتعامل.
ضحايا مجزرة كفر قاسم عام 1956، وشهداء يوم الأرض عام 1976، والمتضامنون مع الانتفاضة الثانية عام 2000، وغيرهم كثيرون.. أمثلة ما زالت حية في الذاكرة على إجرام الشرطة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي 1948. أما الجرائم المماثلة في حق فلسطينيي 1967 فتعز على الحصر.
مع ذلك، لا تخلو سيرة هذا الجهاز الشرطي من مفارقات. فمن بين ما تتوسل به نخب الحكم والسياسة الصهيونية الإسرائيلية لتجميل الصورة الذاتية للدولة العبرية، تعمد إلقاء أضواء قوية على النزر اليسير من السلوكيات المعاكسة لهذا الجهاز الفاشي.
ضمن آخر منتجات هذا الفعل الدعائي بامتياز، إعلان المتحدثة باسم الشرطة الإسرائيلية في 5 مايو الجاري، عن اعتقال سبعة من الأحداث اليهود المشتبه في قيامهم بأعمال تخريب عنصرية ضد الفلسطينيين. وجاء في الخبر أن المراهقين المقبوض عليهم، ممن تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة، يضمون ثلاث فتيات قمن بالبصق على كاهن مسيحي، بالإضافة إلى سلوكيات عدائية كتدمير ممتلكات وإحراق سيارات ودور عبادة مسيحية وإسلامية واقتلاع أشجار، وكتابة شعارات بذيئة مقترنة بوعيد وتهديدات صريحة ضد العرب عموماً.
في السياق ذاته وبالتزامن مع هذا الخبر، الذي تم بثه على أوسع نطاق، ذكرت الإذاعة الإسرائيلية العامة أن محكمة في القدس مددت اعتقال أحد المستوطنين المتهمين بالمشاركة في أعمال تخريب ضد مسجد في بلدة أم الفحم، في إبريل الماضي. واستكمالاً لما يمكن اعتباره مهرجاناً لتجميل كل من الشرطة والقضاء والبرلمان، أبرزت الصحافة الإسرائيلية دعوة أحد أعضاء الكنيست لاعتماد قانون «يساوي ارتكاب الأعمال العنصرية من جانب اليهود، بالأنشطة الإرهابية التي يقوم بها الفلسطينيون».
الصلة الوثيقة واضحة بين هذه الحملة التي تستهدف تحسين الصورة العامة لمؤسسات إسرائيل الدولة أمام الرأي العام العالمي، وبين استقطاب التعاطف مع هدف تثبيت الهوية اليهودية لهذه الدولة. فطالما أن هذه المؤسسات لا تقصر في محاربة مظاهر التطرف والعنصرية و«الإرهاب» داخل القطاع اليهودي أينما كان، فما مبررات الخوف الفلسطيني من هكذا هوية؟..
الرهان على ضعف ذاكرة الرأي العام تقليد إسرائيلي قديم. فعندما تتحمس وزيرة العدل ليفني لمكافحة إرهاب اليهود، فإنها تبدو وكأنها تعرض لنفسها وجهاً آخر غير الذي نعرفه عن ليفني المفاوضة؛ التي تستميت دفاعاً عن إرهاب الاحتلال والاستيطان، الممتدين بالقوة على أرض فلسطين وشعبها.
وحين يشيد الإعلام الإسرائيلي المسموم بملاحقة المراهقين المتشددين من اليهود، فإنه يساهم في التعمية على دور البالغين من الآباء والأجداد في إرضاع الأبناء والناشئة وحشو عقولهم بالفكر العنصري.
ولا ندري كيف يمكن للجهاز القضائي الإسرائيلي أن يدين السلوكيات العنصرية لبعض الصبية اليهود، فيما المحاكم الإسرائيلية تضطلع بحماية تجليات هذه السلوكيات التي تمارس ضد الفلسطينيين أجمعين على مدار الساعة، وتفرض عقوبات تثير السخرية على البالغين والكبار، حتى وإن بلغت جرائمهم حد القتل العمد.
من نافلة القول ان الانحراف السلوكي للأحداث، ما هو إلا أحد أعراض ما يتلقونه بين يدي المحيط الثقافي الذي يصنعه الكبار، ولا تصلح الماشطة الإعلامية الدعائية ما أفسدته هذه الثقافة. وإذا كان فقه الاجتماع الإنساني عامة والسياسي خاصة، يعرف الأدوات اللازمة للتهذيب والإصلاح التربوي والثقافي على مستوى الأفراد، وربما الجماعات أيضاً، فإن هذا الفقه يفتقر حتى الآن للوسائل والسبل الكفيلة بإصلاح وتهذيب حالة بحجم دولة كإسرائيل، مردت على فلسفة القوة والتمييز العنصري منذ كانت مجرد فكرة.