رغم الجهود الرسمية التي تبذلها حكومات دول الخليج لمكافحة الارهاب وتجفيف منابعه، إلا أن هناك مصادر أجنبية ما زالت توجه الاتهام تلو الآخر لبعض من دول الخليج بأنها تفرخ الارهاب والتطرف أو تدعمه.
هذا التناقض بين ما تعلنه دول الخليج وما يذكره بعض المصادر الأجنبية يجعلنا نقف ونحلل هذا المشهد المتناقض، لنصل إلى حقيقة ظاهرة التطرف والإرهاب التي أصبحت في تنامٍ ليس فقط في مجتمعات الخليج ولكن في العالم بأسره.
فخطورة ظاهرة التطرف تكمن في أنها تقف حجر عثرة في وجه التضامن الاجتماعي الذي هو عنصر أساسي لتطور أي مجتمع وسلامته وأمنه. فتبلور ظاهرة التطرف تحرم المجتمع من نعمة الأمان والاستقرار وتجعل طوائفه وأطيافه في صراع دائم، وتجعل الوطن مكانا ضيقا لا يتسع للجميع.
التعصب والتطرف يظهران في صور عدة منها التطرف الديني والأيديولوجي، والتعصب الاثني والطائفي، وكل هذه الصور نماذج من التطرف الذي قد نراه من حولنا يهدد وحدتنا الاجتماعية ويقف حجر عثرة في وجه تماسكنا، كما أنها تهدد الأمن القومي للدولة لأنها تقود في النهاية إلى الإرهاب.
مصادر غربية مهتمة بمكافحة الإرهاب تدعي في أحد تقاريرها لعام 2013 أن التمويل الذي يأتي من قبل الأفراد والجماعات في منطقة الخليج، يعد مصدرا مهما لتمويل الجماعات المتطرفة في العالم العربي وخصوصا في سوريا.
كما زعمت أن منطقة الخليج العربي من أهم المناطق التي تفرخ التطرف والإرهاب. هذه المزاعم، فيما لو كانت صحيحة، خطيرة جدا لأنها تعكس المتغيرات التي حصلت في المنطقة ككل، كما تعكس المتغيرات في المؤسسات المجتمعية، كالأسرة مثلا، وتظهر عجزها عن القيام بدورها ومسؤولياتها في التنشئة الأسرية.
كذلك تعكس الأدوار التربوية للأسرة وما طرأ عليها من متغيرات جعلت الفرد، خصوصا من الشباب، متطرفين يميلون إلى العنف للوصول إلى أهدافهم أو اهداف الجماعة أو الاتجاه الايديولوجي الذي ينتمون إليه.
وتبلغ خطورة بعض من تلك الأفكار، التي يروج لها بين الشباب خاصة، قمتها حين تعتبر الولاء والانتماء للوطن قضية غير أساسية، لأنها تتعدى على الانتماء الديني للأمة الذي تعتبره تلك الجماعات فوق كل انتماء، وخاصة عندما تنتشر وتؤثر على شريحة كبيرة من الشباب وتعمل على غسل أدمغتهم، وتجعلهم يلجأون للتطرف والتعصب للوصول إلى تحقيق مآرب الفكر أو الجماعة التي ينتمون إليها.
لم يعد التطرف ظاهرة خليجية فقط، بل ظاهرة عربية تنبهت لها الشعوب قبل الحكومات وعملت على استقصائها حين شعرت أنها تهدد الوحدة الاجتماعية وتجعل من الوطن مكانا صغيرا قاصرا على فئة واحدة دون الفئات الاخرى.
هذا الشعور بأن الجميع أمام خطر جارف، جعل الوعي بخطورة ظاهرة التطرف ينمو ويضع الجميع أمام استحقاقات كبيرة من أجل العمل على استقصاء هذه الظاهرة وتجفيف منابعها. ولكن كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة والوقوف في وجهها؟
يمكن ذلك عن طريق استئصال المؤثرات التي تؤدي إلى تناميها. ففي مجتمعات الخليج هناك عدة متغيرات قد تساهم في بلورة وإفساح المجال لبروز ظاهرة التطرف. من هذه المتغيرات تراجع دور الاسرة في التنشئة لصالح مؤثرات أخرى مثل الإعلام والتكنولوجيا والمؤسسات الدينية المتنوعة.
هذا التراجع أدى إلى انحسار الوظيفة الدينية للأسرة وانتقالها لأطراف أخرى، فلم يعد الطفل يستقي القيم الدينية من الأسرة فقط، بل من مؤثرات عدة قادمة له عبر قنوات وتيارات فكرية متعددة منقولة عبر وسائل الإعلام ومنابر المساجد ومسخرة لهذا الغرض.
هذه المؤثرات جميعها ولدت عند البعض ردود أفعال قوية ضد كل ما هو حديث وحضاري ومنفتح، وزينت له أن الرجعية هي الحل للحفاظ على هويته وفكره وحضارته.
هذه الردة خلقت أفرادا متناقضي الهوية، فلا هم منتمون للوطن ولا هم منتمون للتيارات الفكرية التي يدعون الانتماء لها، والتي نجحت في تشويه أفكارهم وأقنعتهم بتبني العنف والتطرف.
المتغير الآخر الذي طرأ على مجتمعات الخليج هو التغير في دور المؤسسات المجتمعية وخاصة الدينية، والتي امتد دورها ليشمل مجالات حياتية متعددة أهمها رسم طرائق تفكير الأتباع وخلق أنماط فكرية وحياتية معينة لهم، مما ساهم كثيرا في خلق أتباع ذوي أنماط تفكير سلبية، ينفذون ما يملى عليهم دون تفكير.
وكثيرا ما روجت تلك المؤسسات لنفسها من اجل كسب مزيد من الاتباع لأفكار التطرف والعنف ضد كل من يخالفها الرأي أو الفكر، ونجح بعضها في ذلك إلى حد كبير. لذا يمكن القول بأن لهذه المتغيرات دورا مهما في تنامي ظاهرة التطرف. ولكن كيف يمكن كبح جماح هذه الظاهرة؟
تلعب التوعية دورا مهما في استئصال ليس فقط هذه الظاهرة ولكن كل الظواهر السلبية الأخرى، كما يجب أن يلعب الإعلام دورا مهما في التركيز على مقومات الوحدة الاجتماعية والتماسك الاجتماعي وإبرازها.
الأوضاع المتأزمة في البلدان التي ترتفع فيها ظاهرة التطرف، يجب أن تذكرنا دوماً بضعف تلك الحركات وفقدانها منهج عمل منظم، الأمر الذي أدى إلى تخلي الناس عنها طواعية في النهاية بعد أن كانوا يساندونها ويدعمونها سياسيا وماديا. كل ذلك يؤدي إلى تجفيف منابع تلك الأفكار المادية والمعنوية وانحسارها.