يقول المؤرخ البريطاني آرنولد توينبي في كتابه «تاريخ البشرية»، عند طرحه نظرية «التحدي - الاستجابة» حول قيام وصعود وانهيار الحضارات، إن السبب الرئيس لقيام الحضارات وصعودها، هو قدرتها على مواجهة التحديات، وإن ضمورها وانهيارها يعود لفشلها في الاستجابة لهذه التحديات.
والحقيقة أن هذه النظرية بقدر ما تتمتع بقدر كبير من الواقعية في تحليلها لأسباب نشوء وصعود وضمور وانهيار الحضارات، تنطبق كذلك على حال الدول، فنشوء الدولة وصعودها وضمورها وانهيارها، تخضع للقانون نفسه، وليس سيناريو قيام وصعود وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق ببعيد عن أذهاننا.
مصطلح «التحدي» يرد في معظم الكتابات والتحليلات التي تصدر عن الأوضاع السياسية في العالم أجمع، ولكنه أكثر استخداماً لدى الكتاب والمحللين في دول الشرق الأوسط، وهي دول ورثت تقاليد سياسية فيها قدر من الشد والتشنج والتحفز، بحكم التركة الثقيلة التي خلفتها قرون من الاستعباد، والاحتلال لهذه الدول.
التحديات التي تواجه الدول متنوعة ومختلفة المستويات، بينها ما هو «سياسي» يتعلق بسيادة الدولة، ومدى استقلالية قراراتها، وسلامة أراضيها، أو «أخلاقي- قيمي»، يتعلق بالعلاقات المجتمعية، ومدى صلادة أو هشاشة السلم الأهلي، أو «اقتصادي» يتعلق بما يتوافر من ثروات في متناول البلد، أو «رفاهي- خدمي» يتعلق بدخل الفرد، وفرص التعليم وتوافر الخدمات الصحية المتاحة له، وغير ذلك مما هو أقل أهمية.
أدوات مواجهة هذه التحديات هي بشرية ومادية، قد توظف بشكل جيد أو سيئ، فذلك يعتمد على رؤية وتخطيط النخب التي في يدها الحل والربط، ويعتمد على مدى نضجها سياسياً وأهليتها لتولي هذه المهمة.
في التاسع من أبريل 2003 لم يسقط نظام صدام حسين فحسب، بل سقطت الدولة العراقية، حيث استكمل ذلك الحدث الكبير بسلسلة من القرارات، ألغت كيانات الدولة وسرحت منتسبيها، تمهيداً لإعادة بنائها وفق أسس جديدة، وبرؤى مختلفة تعتمد على إشراك الجماهير الواسعة في ذلك، عبر عملية ديمقراطية، يتاح فيها للمواطن اختيار من يمثله، وفق دستور تم إقراره والعمل به عام 2005.
إعادة بناء الدولة ليست مهمة يسيرة، فهي «التحدي» الأكبر، ويحتاج من يتصدى لمواجهة ذلك أن يمتلك صفات وميزات «الزعامة» التي تظهر في المفاصل التاريخية من حياة الشعوب، وهي اختبار على أرض الواقع للنخب السياسية، التي قادتها الأقدار أو الصدف لأن تكون في موقع من يرسم مصير الدولة العراقية، إلا أننا نشهد منذ ذلك الحين، عجزاً وفشلاً في إعادة بناء الدولة على أسس عصرية، بل تجاوز الأمر ذلك إلى ما هو أخطر..
حيث أصبح العراق نفسه على حافة التفجر والانهيار، بعد أن اصطف أبناؤه في الخيم، التي ورثوها من صراعات التاريخ وأدرانه عرقياً وطائفياً، وكان الرواد في رفع الرايات عليها من النخب، التي برزت على المسرح السياسي، منذ ذلك التاريخ.
الفشل في إعادة بناء الدولة العراقية على أسس عصرية، لم يتأت بسبب عدم وجود الأدوات اللازمة لذلك، فالعراق بلد غني بثرواته المادية والبشرية، إلا أن هذه الثروات لم توظف بشكل سليم، لأسباب عديدة أبرزها عدم وجود نوايا حقيقية لبناء الدولة، بل كانت الجهود منصبة على بناء سلطة قوية، تدار من قبل شخص واحد هو رئيس الوزراء، واتباع سياسات إقصائية تهميشية فشلت في تحقيق الأمن..
وأخفقت في القضاء على الإرهاب، وساعدت على تفشي الفساد، وأوصلت مستوى حياة ثلث الشعب العراقي إلى ما دون خط الفقر، وجعلت الأجواء السياسية في منتهى الاحتقان على مستويات مختلفة، ابتداء من العلاقة بين شركاء العملية السياسية، وانتهاء مع الحلفاء في التحالف الوطني، ما خلق قناعات بضرورة التغيير، وعدم السماح بالتجديد لرئيس الوزراء لولاية ثالثة، بعد الانتخابات النيابية.
اتسمت هذه الانتخابات بصراع حاد وشرس بين تيارين، الأول يصر على الإبقاء على الحال الحاضر بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي، والثاني يصر على عكس ذلك. وبكلمات أخرى، كانت الانتخابات إلى حد كبير بمثابة استفتاء على بقاء المالكي أو رحيله..
وقد خاض المالكي الانتخابات من دون وجود منافس واضح كما كان الحال حينما واجه إياد علاوي في انتخابات 2010، إلا أن التحدي له هذه المرة لم يأت من جهة منافسة للتحالف الوطني، بل من داخل التحالف نفسه. وكان للإعلام حضور كبير في المشهد الانتخابي، فقد سبق السياسيين في الترويج لفكرة «التغيير»، من خلال قنوات فضائية خصصت بعض برامجها لفضح الفساد، والإشارة إلى الضالعين فيه بالأسماء، وبلغة الوثائق.
فكرة التغيير لم تكن وليدة الحاضر كشعار انتخابي، بل ترجع إلى سنتين حين عقد اجتماع أربيل، وتقرر فيه استخدام آليات الدستور لسحب الثقة عن رئيس الوزراء، إلا أن تلك المحاولة لم تثمر رغم توافر العدد اللازم من النواب لذلك، بسبب ملابسات كثيرة صاحبتها تدخلات إقليمية، أجهضت المحاولة.
النتائج الأولية للانتخابات تشير إلى صعود الكتل السياسية نفسها التي صنعت الفشل، ولكن بأحجام مختلفة، فهناك تقلص في حجم كتلة دولة القانون، وفي الكتلة الصدرية، وفي مكونات القائمة العراقية، مقابل صعود لائتلاف المواطن بشكل ملحوظ. والحقيقة أن ذلك ليس مستغرباً، فبقدر ما ألحقت سلبيات الوضع على مدى السنوات الأربع الماضية من أضرار بسمعة القوائم التي شاركت في الحكومة، فقد خدمت ائتلاف المواطن الذي حرص على إبعاد نفسه عنها، منذ استقالة عادل عبد المهدي، أحد قيادييه، من منصب نائب رئيس الجمهورية.
من الصعوبة بمكان التنبؤ بمسارات الأحداث في القادم من الأيام، خصوصاً أن النتائج النهائية لم يعلن عنها بعد، ولكن من الممكن القول، إن إعداد سيناريو تشكيل الرئاسات الثلاث يشبه السير على رمال متحركة..
ولن يكون من السهل إعداده من دون توافقات وصفقات، ومن دون ضغوط إقليمية، ودولية. بقي أن نذكر عطفاً على ما ابتدأنا به، أن الحكومة القادمة والمتوقع أن تتشكل وفق سيناريو المحاصصة العرقية والطائفية نفسها، لن يكون بإمكانها مواجهة التحديات التي تواجه الدولة، وليس من المستبعد أن ينحدر العراق إلى المزيد من التشظي، وتزداد المخاطر على وحدة أراضيه ووحدة شعبه.