القاطرة الخليجية.. تحديات ورهانات

ت + ت - الحجم الطبيعي

يترقب الخليجيون التوجهات المقبلة لقاطرة التعاون الخليجي، بعد الهزة الأخيرة في كيان هذا المجلس للتباين القطري الخليجي، والذي أدى إلى سحب سفراء كل من السعودية والإمارات والبحرين.

وينتظر الخليجيون تطبيقا فعليا لاتفاقية الرياض، لكي تعود اللحمة الخليجية إلى سابق عهدها. ومشكلة الخليج أنه يواجه خيارات داخلية وخارجية صعبة، تحتاج إلى نضوج سياسي كبير، يستوعب خطورة المرحلة والمتغيرات الحاصلة في النظام العالمي ككل.

الثروة النفطية في الخليج جعلت من دوله مكان اهتمام عالمي، وفي نفس الوقت موقع أطماع دفينة، والجغرافيا أوجدت دول الخليج في منطقة ملغومة بالمشاكل والحروب.

ويردد مفكرون وإعلاميون خليجيون، أهمية انتقال دول الخليج من التعاون إلى الاتحاد، وتطرح حاليا صيغ مختلفة لنوعية هذا الاتحاد.

ويعكس رأي الشيخ محمد الصباح نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الكويتي السابق، رؤية لهذا الاتحاد «آن الأوان لانتقال دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى تحالف كونفدرالي، وهو أمر يستوجب الانتقال من مرحلة الدبلوماسية إلى أشكال من السياسة الحقيقية، التي تضع في الاعتبار المخاطر والمهددات الوجودية لكيان دول المنطقة وأمنها الداخلي».

والمهددات الوجودية يوضحها بأن مجلس التعاون بدأ قبل ثلاثة عقود بإجمالي سكاني يقدر بثلاثة عشر مليون نسمة، والآن وصل إلى 47 مليون نسمة، نصفهم غير مواطنين أو وافدون عرب وأجانب، وهذا الخلل السكاني يشكل تحديا كبيرا في صياغة ونسج استراتيجية أمنية.

وتحدي التركيبة الديمغرافية لدول الخليج، واحد من التحديات التي تستفحل يوما بعد يوم، وستفرض واقعا جديدا وربما غير مرض لدوله، ما لم يتم التنبه لخطورة هذا الوضع على الكيان السياسي لدول الخليج.

وتطوير منظومة دول الخليج يحتاج إلى تطوير داخلي، وتعزيز لمشاريع الإصلاح وترسيخ منظومة الدساتير، بحيث يقوم البنيان الكبير (الاتحاد الكونفدرالي)، على قاعدة دول متسقة ومتناسقة وقوية من الداخل.

وبالتالي فإن الاعتماد على تثبيت القوة في الأمن الوطني، كما يشرحها الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق ورئيس مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في كلمته في المؤتمر الثاني للأمن الوطني والأمن الإقليمي لدول مجلس التعاون الذي عقد في البحرين، ليس ضمانة كافية لتحقيقه «وعليه فإن الشرط الأول للحفاظ على أمن دول الخليج ومجتمعاتها، هو زيادة تحصين هذه الدول من الداخل بسياسات تحافظ على علاقات سوية بين القيادات والشعوب».

وهنا يضع الأمير تركي شرطا أساسيا وواضحا لأمن الخليج، لأن القضية ليست خارجية فقط.

الأمن والاستقرار الداخلي قضية ملحة، ولا يمكن القفز للنواحي الخارجية قبل تحقيق التطور الداخلي والإصلاحي، الذي يمكن دول الخليج من التعامل بثقة مع المتغيرات الخارجية.

العالم يتغير من حولنا بتسارع كبير، فالولايات المتحدة أخذت خطاً سياسياً أقرب ما يكون إلى الانسحاب من مشاكل المنطقة، وهناك بروز لدور روسي قوي وربما هيمنة روسية، ووجود أوروبا الموحدة كقوة مؤثرة في الساحة الدولية. وهذا يتطلب من دول الخليج أن تتعامل مع واقع سياسي واستراتيجي جديد، ومتغير في نفس الوقت.

ومن جانب آخر، فإن التحدي الذي يواجه دول الخليج هو داخلي، سواء في وجود الجماعات الدينية المتشددة والطائفية، أو في خطر التركيبة السكانية، وظهور حركات سياسية وإرهابية تمارس الإرهاب باسم الدين.

هذه القضايا لابد لدول مجلس التعاون من أن تتعامل معها كوحدة واحدة، فهذه ليست محصورة في دولة واحدة، خاصة إذا كانت اتفاقية أمنية تسهل حركة المواطنين بين دوله وتعطيهم ميزات اقتصادية واجتماعية.

وبالتالي فوجود خلايا هو داء سرطاني ينتشر في بقية الدول، وتخطئ أي دولة حينما تعتقد أنها في منأى عن داء هذه الحركات.

المواطنة هي الرهان الحقيقي لأبناء دول الخليج، واحترام اختلاف المذاهب يعزز من انتماء المواطنين.

وقد أثبت مواطنو دول الخليج أن انتماءهم هو لبلدانهم وليس لمرجعيات خارجية، باستثناء بعض الأصوات الشاذة والتي لم تكسب لها جمهورا في الشارع.

وهذا مكسب خليجي لابد أن يتطور، بتعزيز اللحمة الوطنية وترسيخ المساواة والشفافية والمشاركة السياسية.

المستقبل والتاريخ سيحكمان لنا أو علينا، هل استطاعت دول الخليج أن تنجح في تحقيق وجود واستقرار سياسي وأمني لها؟ واستمرار الخلافات السياسية بين دولنا خطر يهدد حلم كيان مجلس التعاون، الذي أسسه الآباء واستمر عقودا طويلة، وكان له دور أساسي ومصيري في الأزمات الصعبة، مثل أزمة الكويت بوقوف دول المجلس كدولة واحدة ضد الاحتلال العراقي وتحرير الكويت.

ويستطيع الخليجيون كشعوب وقادة، صنع تاريخ جديد لهذه المنطقة لتفرض نفسها كرقم صعب ومهم على الساحة الدولية.

 فكما علمتنا السياسة فإن العالم يحترم الدول القوية، وهذا ما يتوفر للخليجين كمقومات من ثروة هائلة ومخزون نفطي ضخم، وكفاءات بشرية برزت نتيجة الاستثمار في التعليم. فالشروط متوفرة، وما يتطلبه ذلك هو صياغة هذه المعطيات في قالب متماسك وناجح، يصنع مصيره بنفسه ويفرض وجوده بجهود أبنائه.

 

طباعة Email