تثمن القيادة دور المرأة وتنظر إليها بكل الإعزاز والتقدير منذ بداية دولة الاتحاد، حين قال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، «إن المرأة ليست فقط نصف المجتمع من الناحية العددية، بل هي كذلك من حيث مشاركتها في مسؤولية تهيئة الأجيال الصاعدة وتربيتها تربية سليمة متكاملة»، ولم يفرق يوما بين الرجل والمرأة إلا بما خلقهم الله عليه، والشاهد ما قاله، رحمه الله، «الرجل أخ للمرأة والمرأة أُخت للرجل، ليس هناك فرق بينهما إلا في العمل.. العمل الطيب والعمل السيئ.. هنا يكمن الفرق».
وعلى النهج ذاته سار الخلف، وآية ذلك ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حين قال غير مرة «إننا ننظر للمرأة كمكون رئيس من مكونات المجتمع الإماراتي، وهي شريكة للرجل في كل مواقع العمل..
وما وصلت إليه المرأة الإماراتية في الآونة الأخيرة لم يكن تطورا مفاجئا، بل هو تتويج لمسيرة طويلة رسم خطوطها القائد المؤسس الوالد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان».
ثم كانت المقولة الجامعة المانعة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، التي اختص بها المرأة حين وصفها بأنها «روح المكان ومكان الروح»؛ أي أنها سر الحياة وبدونها لا حياة في ما حولنا من شواهد، وهي فينا مكان الروح ليصبح الجسد بدونها باليا لا حياة فيه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالقيادة السياسية أحاطت دور المرأة بسياج قانوني، حين عملت على تمكينها للقيام بدورها في خدمة المجتمع، ووضعت التشريعات والقوانين التي تكفل لها حقوقها الدستورية، وتتيح لها فرصة المشاركة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية ومواقع اتخاذ القرار، مما يؤهلها للنهوض بمسؤولياتها إلى جانب الرجل في مختلف ميادين العمل الوطني، في إطار الحفاظ على هوية مجتمعنا الإسلامية وتقاليده العربية الأصيلة.
وفي الوقت الذي تظهر فيه بجلاء النظرة التحليلية والتاريخية لموقف القيادة من المرأة، تأتي المفارقة من أن الدراما المحلية لم ترتق إلى هذه النظرة، ولم تعبر عن واقع المرأة الخليجية بصفة عامة والإماراتية على وجه الخصوص، وكأن للمرأة واقعين: الأول معاش تحظى فيه بالتقدير والاعتزاز ممن حولها، كأم وكأخت وكزوجة وابنة وشريكة في مسيرة البناء، وهو ما يؤكده بعمليات إحصائية بسيطة حجم مشاركتها في مختلف مؤسسات الدولة، والتي تتقدم فيها أحيانا على دور الرجل.
والقضية ليست كمية فحسب، ولكنها مشاركات نوعية متميزة أسهمت في نهضة المجتمع، والشاهد أن المرأة الإماراتية هي صاحبة القاسم المشترك الأعظم في الحصول على جوائز التميز في مختلف الدوائر والمؤسسات الحكومية، هذا الذي تراه أعيننا ونلمسه من مختلف الشواهد من حولنا.
أما الواقع الثاني فهو واقع تصنعه الدراما، وهو يجافي الواقع المعاش في أحيان كثيرة، وكأن الدراما تصنع واقعها بنفسها ولا تعكس الواقع، وهو ما يجعل المشاهد في حيرة من أمره بين واقعين.
وهنا لا أطالب صناع الدراما بأن يحولوها إلى نشرة أنباء، أو أن تتحول الدراما إلى برامج وثائقية تقدم الواقع كما هو، مع إدراكي أن الدراما قد تتجاوز الواقع إلى نوع من الخيال، وتكثف اللحظة، وتلقي الضوء على زوايا وقضايا بعينها، وهي أمور من متطلبات العمل الدرامي. أعرف هذا جيدا وأقدر أبعاده، ولكن مما لا شك فيه أن تكرار الدق المنتظم على صورة معينة للمرأة وتعميمها، يكرس هذه الصورة.
وهنا تأتي أهمية الدراما في صناعة الصورة، ذلك أن الدراما صناعة تصديرية، وهي من أهم المصادر التي يتعرف من خلالها المشاهد، أيا كان جنسه، على مجتمع من المجتمعات، وآية ذلك أنه من غير المتاح لكل واحد أن يذهب إلى اليابان ليتعرف على عاداتهم وتقاليدهم، لكننا شاهدنا كيف تقدس المرأة اليابانية الحياة الزوجية وتحترم زوجها، من خلال ما تقدمه الدراما اليابانية على ندرتها.
ومن يتابع الدراما الخليجية يرى أن المرأة تقدم في الغالب الأعم على أنها مستضعفة ومهملة، لا رأي ولا دور لها في اتخاذ القرار، وأن القرار داخل البيت هو قرار الرجل وحده، وأن مناقشته مع زوجته هو نوع من الضعف الذي يجب أن يظهر به، كما أنها دائما تتصف بالإهمال وعدم القدرة على إدارة شؤون منزلها تاركة تدبير أمورها للخادمات، كما يتم تقديم غيرها من الجنسيات العربية على أنهن أكثر حكمة ووقوفا بجانب الزوج عند الأزمات، فضلا عن أنها تعيش دائما حياة البذخ والترف، لا يشغل بالها سوى اقتناء أغلى الماركات وأحدث خطوط الأزياء، وهي السبب الأصيل في انهيار المنزل، واستغلال أنوثتها هو الطريق للوصول إلى أهدافها، بعيدا عن كفاءتها وقدراتها.
وعندي أن هذه النماذج موجودة بيننا، ليس في المجتمعات الخليجية وحدها ولكن في مختلف المجتمعات، إلا أنه يجب مراعاة التوازن في ما نقدمه، فهناك كذلك الأم التي ترملت على أولادها في مقتبل عمرها حتى صاروا رجالا، والتي كافحت مع زوجها كتفا بكتف وذراعا بذراع وأقامت أسرة ناجحة وذرية صالحة، وهناك الطبيبة الناجحة والمهندسة البارعة والمخترعة العبقرية والشاعرة اللوذعية والعالمة الفذة، والتي ما تظهر غالبا في الدراما دون أن يشار إلى مهنتها، وكأنه من غير المهم إظهار الدور المجتمعي للمرأة.
أين الدراما التلفزيونية من المرأة في المجلس الوطني، ورئيسة للدوائر الحكومية، وسيدة أعمال، والمشاركة في هموم أبناء وطنها، والمتطوعة في كافة المناشط داخل الدولة وخارجها عبر الجمعيات الأهلية، تضرب المثل والنموذج الذي تقتدي به بناتنا؟ أين الدراما التلفزيونية من الرجال الناجحين والذين لولا أمهاتهم وزوجاتهم لما تحقق لهم ذلك؟
على الدراما التلفزيونية أن تقترب من واقع المرأة، وأن تكون معبرة عنه بحق، بعيدا عن صناعة واقع خاص بها تقف وراءه عوامل إنتاجية وتسويقية وليست مهنية، وإلا سيظل المشاهد حائرا بين مشاهداته الحياتية وما تؤكده التقارير الدولية بعد دراسات مستفيضة، وبين ما يقدم على شاشتنا المحلية، وهو ما ينال من مصداقية العمل الفني ودوره في المجتمع، ذلك أن الدراما هي الذاكرة المرئية لتاريخ الشعوب.