منذ وعينا الدنيا ونحن نسمع أن الإنسان اجتماعي بطبعه، فهو مفطور على الانضواء في فئة وتبنّي عقلها الجمعي، كما يقال، فهو لا يحب أن يشذ عن غيره لأن الخروج عن ذلك مقرونٌ باحتمالية فقدان الأمن وهي حاجة الإنسان الفطرية الثانية بعد الماء والغذاء، وهو الأمر الذي أجاد في استغلاله كل من لديه طموح شخصي بحت، إذ يتم دغدغة مشاعر المجموعة بما يؤثر فيها ويلامس ما تهتم به فعلاً لتوجيهها في مسارٍ معين تخدم أحلام ذلك الشخص، وكما يقول نعوم تشومسكي: «الأكثرية تتعوّد على استهلاك الخيال، فأوهام الثروة تباع للفقراء، وأوهام الحرية للمضطهدين، وأحلام النصر للمهزومين، وأحلام القوة للضعفاء».
إنّ المتتبع للتاريخ الإنساني ليجد دون عُسر تلك المعادلة القائمة على تأليب الجماهير وفق ما يلامس حاجتها وتدندن به في مجالسها، لعلم أولئك المستفيدين بأنه لا يمكن لحركةٍ ما أن تنجح دون وجود زخم جماهيري وهو ما عبّر عنه ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بضرورة وجود الـ«عصبية»، وما دامت العصبية العِرقية مفقودة يتم تلقائياً استبدالها بالعصبية «المذهبية» سواءً أكان ذلك مذهباً فكرياً أم عقائدياً أم اقتصادياً، المهم أن يوجد «مغناطيسٌ ما» يجمع هذا الشتات ويؤجج حماسه لتمرير الكثير مما يجهله هذا الجَمع في خضم اندفاعه وغوغائيته، فالجماهير وحركتها تقوم على العشوائية وردات الفعل المتشنجة والساذجة وتغييب شبه كامل للمنطق بل وللوعي والحِس الإنساني كما ناقش ذلك باستفاضة رائعة غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجيا الجماهير».
إنّ ثورة فرنسا أجادت العزف على أوتار الحرية والمساواة لشعب مطحون مسحوق تحت سنابك خيل الملكية الفجة، والبلشفية رفعت شعارات المشاركة والصالح العام الذي طالما تلظّى تحت نَير النُخَب الثرية، والنازية أججت حماس أتباعها بعلو كعب الجنس الآري على بقية الأجناس، وقِس على ذلك في بقية أصقاع الدنيا، أما في بلاد العرب فمنذ الأزل ما زال الدرس نفسه يُعاد ولا ثَمّ متعلِّم، فلا يدغدغ عواطفنا إلا من يتحدث عن الدين ويتشح بمُسوح الأولياء.
ربما لكثرة ما في النفوس من خطايا وتأنيب ضمير لا يهدأ صوته هو ما يجعل العرب يهرعون سراعاً لذلك النداء، فبنو أمية نادوا بالتحكيم للقرآن وسلبوا علياً رضي الله عنه حقه، وبنو العباس رفعوا شعار الانتصار للإسلام الصحيح الذي لوثته أيدي الأمويين، ثم ما لبثوا أن نسوا كثيراً مما نادوا به عندما استتبّ لهم الأمر، وكذلك فعل الخوارج وكذلك يصنع أصحاب العمائم السوداء كقلوبهم هذه السنين، وما زال كل طامحٍ لتلك الكراسي العالية يعي جيداً أنّه لن يدير رؤوس الناس مثل ادّعاء الطُهر المحض.
إنّ ما يخشى النور لا يمكن أن يكون نوراً، فكل ما لا ينمو ولا يتحرك إلا في الخفاء لا يحوي من الخير إلا نزراً يسيراً مقارنة بما ينطوي عليه من سوء، وإن تمييز النفس بطابعٍ فكري وعصبية خاصة لا تتوافق مع الجماعة الكبرى لا يعدو أن يكون عنصرية مقيتة مهما تلبست أردية الفكر أو الطهرانية، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فئوياً، فرسالته كانت للجميع ومناط التفضيل هو التقوى وليس بالانتساب لحزبٍ ما، وإنّ أخطر الخطر أن تدّعي فرقةٌ ما أنها هي من اختصّت بفهم الإسلام وما عداها ناقص، وهي من يحق لها وحدها الحديث باسمه ومن سواها سطحي لا يعدو أن يعرف شذراتٍ وشكلياتٍ منه لا أكثر، فكذلك فعل الخوارج فأسرفوا، وكذلك صنع المعتزلة فبغوا، وكذلك صنع غُلاة الرافضة فأهلكوا الحرث والنسل، ولو عاتبت أحداً ممن يسير بمسار أولئك من جماعات الحاضر نفسه لرأيت النار في عينيه من شدة إيمانه بما سيق إليه من دهاقنة الشر والوصوليين واستغرابه من جهلك وتبعيتك، فالتبعية في عُرفهم ما نحن عليه لكنّ تبعيتهم لا إشكالية فيها.
لا أهوى تصنيف الناس ولا وضع أحكام مسبقةٍ عليهم ولكن استغرب أن لا يجرؤ أفراد تلك الفِرق والجماعات على مراجعة منهجياتهم، فالخوف - كما يبدو - من اكتشاف أنّ كل ما ناضلوا وعاشوا من أجله وألفوا به مئات الكتب كان خاطئاً أمرٌ مرعب، فهل يعقل أن تنتقل قداسة النص من كلام رب العالمين إلى تقديس أطروحات بشر حتى لو أبانت الأيام عن خطئها وشذوذها عن فهم حقيقة الواقع المتغيّر زماناً ومكاناً عن تلك الأطروحات، وعن نسف معطيات الواقع الفعلي لتلك النظريات من أساسها، فالإعجاب بالنفس كارثة، وغمط فضائل الآخرين مثلبةُ لا يرتكبها إلا مريض نفس، فالاستهزاء بمجهود المجتهد والتشغيب على محاسن أعمال الناس لا ينبئ إلا بنفسٍ سوداوية قد غاب عنها الخير فعلاً لأنها تُعارض أمر المولى سبحانه عندما سنّ منهجية التعامل مع المخالفين: «ولا يجرمنكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى»
دعوا الإسلام ولا تسيئوا له أكثر من ذلك، وكفانا من تحوير أعناق آيات القرآن الكريم وتركيبها بانتقائية متعسفة على وقائع معينة حتى تخدم هدفاً يُنادي به ذلك الشخص أو ترفع لواءه تلك الفِرقة، فقد كان صلى الله عليه وسلم واضحاً وهو يقول: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، فمن أراد النقاش فليضع أفكاره وأدلته وليبتعد عن أسلوب «غسيل المخ» القائم على تقمص دور الولي الرباني، ومن كان لديه بقية شجاعة وشيءٌ من وعي فليراجع ما تشرّبه وتم تلقينه من أفكار، فمخجلٌ أن يتهم غيره بالإقصاء له لكنّه يمارس أسوأ أنواع الإقصاء لمخالف فكر جماعته، فالدين أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينزل على رجلٍ بِدَيْر أو رجلٍ بجبل فعليكم بالنهر العذب ودعكم من الركايا!