أكتب هذه الكلمات من عاصمة الضباب لندن، التي يزورها هذا الأسبوع فريق عمل من مؤسسة وطني الإمارات، لتنظيم الملتقى الأول لطلاب الإمارات في الخارج، بالتعاون مع سفارتنا في العاصمة البريطانية، وسننتقل من هنا إلى باريس مباشرة لتنظيم الملتقى نفسه هناك أيضا، وبالتعاون كذلك مع سفارتنا في فرنسا.
والواقع أن علاقتنا في الوطن بطلابنا وطالباتنا في الخارج، رغم متانتها من ناحية عاطفية ومعنوية، إلا أنها تحتاج إلى مراجعة وتفعيل من ناحية عملية، ولعل هذا هو السبب الأول وراء مبادرة مؤسسة وطني الإمارات لعقد هذا الملتقى، لتجسير الهوة في التفكير والتواصل بيننا وبين أبنائنا وبناتنا الذين تغربوا لطلب العلم.
ولبناء روابط أعمق، ليس فقط في محبتهم لوطنهم، وإنما أيضا في ارتباطهم بهويتهم الوطنية وقيمها الإيجابية المتوارثة، وكذلك بهدف تحصينهم وزيادة مناعتهم ضد أي مخاطر تمثلها تجربة الاغتراب عليهم كمواطنين وكوطنيين.
لذلك ربما يكون مفيدا هنا التذكير بأهمية أن تبادر المؤسسات الزميلة في الدولة، كل في اختصاصه، إلى تمتين علاقتها بهذه الفئة الغالية من أبناء وبنات دولتنا الغالية، بل وربما تكون هذه دعوة مفتوحة إلى جميع مؤسسات الدولة، اتحادية كانت أو محلية، للتعاون معنا في الملتقيات الطلابية المقبلة، فهذه عملية وطنية مستمرة، نسعى إلى مأسستها وتطويرها لمصلحة الدولة وأبنائها في المقام الأول، وليس لمصلحة مؤسسة بذاتها.
من هنا يهمني التذكير ببعض الحقائق في ما يتعلق بطلابنا في الخارج، وأهمية التواصل المؤسسي والمنتظم معهم من منظور جديد، دون إنكار الدور المهم الذي تقوم به السفارات والمستشاريات الثقافية، وقبل ذلك وزارتا الخارجية والتعليم العالي.
فأولا، لا بد من إدراك حقيقة أن المجتمعات الأجنبية تظل مختلفة قيميا عن مجتمعنا، وهذا الاختلاف هو من الخطورة بحيث يمكن أن تكون له آثار هدامة، إذا تركناه يؤثر في أبنائنا دون انتباه منا وعلاج.
لذلك فمن المهم جدا أن نحرص على إعلاء شأن قيمنا الوطنية المؤسِّسة في نفوس طلابنا وطالباتنا كأداة تحصينية وقائية، وهذا يتطلب أن تبدأ برامج التحصين الفكري والثقافي ربما قبل سفرهم إلى الخارج.
ومن المهم ثانيا، أن نستذكر هنا ما الذي يعنيه تميزنا بهويتنا الوطنية المتفردة، سواء كشعب له دينه وجذوره وثقافته وأخلاقياته، أو كدولة لها مؤسستها السياسية وكيانها الاتحادي، أو كمجتمع متماسك مترابط بني على مكونات اجتماعية أساسها الدين والأخلاق والسلوك القويم.
ومن المهم أن نقدم لأبنائنا جرعة تذكيرية بين الآونة والأخرى، تزيد من قدرتهم على الإحساس بأهمية تمثيل الهوية الوطنية أمام الآخر، وعلى الأخص في الإطار السلوكي والأخلاقي، دون ضياع أو ذوبان، ودون سماح لأي طروحات غريبة أن تمس ما تعنيه هذه الهوية في نفوسهم.
لقد رأيتُ الأمل مشعا في عيون هؤلاء الفتيان والفتيات ونحن نحدثهم عن الوطن وآماله وطموحاته، شعرت وأنا أستمع لهم أن قلوبهم كانت تتحدث أكثر من ألسنتهم، وأن عقولهم لا أفواههم هي التي كانت تحاورنا وتحدثنا عن معنى الوطن في نفوسهم. وحين تستمع إليهم تشعر أنك تقول لنفسك: مستحيل أن أخذل هؤلاء الشباب بعد اليوم.
أما عني فقد استفدت درسا شخصيا مهما.. فقد فهمت الآن لماذا يحرص سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وأخوه سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على الالتقاء بطلابنا وطالباتنا في زيارات سموهما الخارجية.. كأنهما يقولان لنا: تعالوا تعلموا من هؤلاء الشباب وطموحاتهم محبة الوطن والطموح لخدمته في كل محفل.
ربما كان الملتقى الطلابي الأول الذي تنظمه مؤسسة وطني الإمارات في لندن وباريس، محاولة متواضعة لمساعدة هؤلاء الشباب والشابات على إعطائنا الدرس التالي في محبة الوطن بحماسة أكثر!