أوجه إنسانية وحضارية عدة عرفت بها دولتنا وهي اليوم تساهم في الارتقاء بسمعتنا في المحافل الإقليمية والدولية. هذه الأوجه ليست جديدة علينا كلياً. فلبعض هذه الأوجه جذور عميقة ممتدة في تاريخنا ومرتبطة بالطريقة التي تطور بها مجتمعنا على مر العصور والأزمان، وهي التي أملت على إنسان هذه المنطقة نمطاً معيناً من التفكير جعلته مغايراً عن أقرانه في الخليج.
كما أن لاستمراريتها اليوم أسباب ودوافع تجعل المتعمق في تاريخنا والباحث عن أسباب تطور دولتنا يقف أعجاباً بما حققه إنسان هذه المنطقة والذي كان قبل سنوات بسيطة فقط واقفاً متحيراً أمام قسوة الطبيعة وضراوتها.
وعلى الرغم من طغيان الجانب أو الوجه الاقتصادي على غيره من الوجوه التي عرفت بها دولتنا إلا أن هذا الوجه لم يستطع أن يغطي الأوجه الأخرى التي تميزت بها دولتنا. الوجه الاقتصادي هو الطاغي بالتأكيد لأنه المسيطر على الساحة اليوم وهو الذي يجر عربة التقدم بأكملها.
فالإمارات اكتسبت سمعتها المدوية من ذلك النمو والتنوع الاقتصادي الهائل الذي نجحت في تحقيقه وتلك الطفرة العمرانية التي استطاعت إنجازها في فترة زمنية قياسية. كما أن النفوذ والسلطة اللذين يتمتعان بهما أصحاب القرار الاقتصادي لهما دور مهم في تسليط الضوء على دولتنا.
فكما جاء في كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم "رؤيتي"، يعد الاقتصاد الحصان الذي يجر العربة ويدفعها قدماً إلى الأمام. فلا عجب أن يكون للوجه الاقتصادي تلك الأهمية والبروز أهلته أن يلعب دوراً محورياً في تسليط الضوء علينا.
وفي الواقع كان للاقتصاد دور محوري مهم حتى عندما كان اقتصادنا تقليدياً وبسيطاً. فعلى الرغم من بساطته إلا أنه لعب دوراً مهماً ليس فقط في تغير مجتمعنا ولكن تغير المنطقة بأسرها الأمر الذي جعل من تجربة الإمارات تجربة ثرية مختلفة عن تجارب جيرانها.
فالدراسات التاريخية تكشف لنا كيف تعاطى أهل الإمارات مع الموارد البسيطة المتوفرة آنذاك وطوعوها لخدمة مجتمعهم ومحيطهم. فعلى الرغم من اعتماد معظم الحرف التي مارسها السكان على البحر إلا أن تلك الحرف تنوعت بتنوع خلفيات ومدارس من مارسها.
فمن حرفة التجارة المربحة إلى حرفتي صيد اللؤلؤ وصيد السمك وحرفة صنع السفن والشباك والحبال وغيرها من الحرف التي أبدع فيها سكان مجتمع الكفاف. فلا غرو أن يظل مجتمع الإمارات لابساً حلة الاقتصاد والتي تعتمد بالتالي على فنون ومهارات التعاطي مع البشر.
قد تعاطى إنسان هذه المنطقة بإتقان مع موارده البسيطة واستخدمها كأداة يغذي بها ليس فقط الحياة الاقتصادية ولكن أيضاً الحياة السياسية والاجتماعية. واليوم مع المتغيرات الكثيرة إلا أن مجتمعنا يبقى متمتعاً بسمعة اقتصادية مدوية ومعروفاً بفن التعاطي ليس فقط مع المناشط الاقتصادية المتغيرة ولكن مع البشر على اختلاف خلفياتهم.
الوجه الآخر الذي يميز مجتمعنا هو الوجه الإنساني. فمنذ بداية ظهور هذا المجتمع كانت القيم الموجودة هي قيم الخير والبر والنزوع للمساعدة حتى مع ضيق ذات اليد.
لم تكن هناك مؤسسات مدنية أو سياسية ولكن المجتمع أظهر تكافله الداخلي على هيئة مؤسسات مجتمعية ساهم فيها أفراد المجتمع القادرين. ومع استقلال الدولة وتطور مؤسساتها المدنية ظل الجانب الإنساني صفة ملازمة لمجتمع الإمارات لم يفقدها أبداً. تعددت أبعاد الوجه الإنساني لدولتنا. وربما يكون الجانب الذي قل نظيره هذه الأيام هو تقبل الاختلاف مع الآخر.
فعلى الرغم من بساطتها إلا أن قيمة تقبل الآخر والتعايش السلمي معه ربما تكون صعبة الممارسة في عالم اليوم المليء بالكثير من التناقضات والاختلافات حتى أصبحت قلة من مجتمعات العالم تعترف بها أو تمارسها فعلاً.
ولكن الإمارات التي اعتمدت على تاريخ طويل من التعايش مع الآخر أصبحت اليوم أنموذجاً رائعاً للممارسة الفعلية على أرض الواقع. فلا يمكن ذكر التنوع والاختلاف إلا وبرزت الإمارات كشاهد فعلي على إمكانية تحقيق هذا الوفاق البشرى.
فلا غرو أن تحتضن الإمارات اليوم مؤتمرات عدة تناقش التعايش وحوار الأديان. الجانب الإنساني له بعد آخر يتمثل في مساعدة الآخرين والوقوف معهم في الأزمات والكوارث. فالمساعدات الإنسانية تحتل جانباً كبيراً في ملف المنح الخارجية، الأمر الذي أهل الإمارات لتصبح من الدول المانحة الكبرى وأن يبرز للإمارات هذا الوجه الإنساني الرائع.
وجه متميز آخر عرفت به الإمارات وتميزت عن غيرها هو في ميدان التنافسية والتطوير المستمر الذي لا حدود له. فلا تغيب شمس يوم دون أن نسمع خبراً من هنا وإنجازاً من هناك يهيئ الإمارات لكي تكون ملاذاً آمناً للتنافسية والإدارة المتميزة والمبادرات الحكومية الخلاقة.
فلا توجد ممارسة عالمية إلا وأدخلت في الأنظمة المحلية حتى غدت الإمارات ميداناً واسعاً لكل الممارسات الناجحة. فمن حفظ حقوق الملكية وبراءة الاختراع إلى المنافسة وجوائز التميز والإبداع، الأمر الذي أعطى لدولة الإمارات وجهاً آخر قائماً على التجدد والتميز.
ساهم في رسم تلك الصورة المشرقة للإمارات قيادة سياسية أعطت الإمارات الكثير من جهدها حتى تميزت الإمارات باسم قائدها وراعي نهضتها. فمن "دار زايد" إلى "دار خليفة" أصبح للإمارات وجه جميل آخر يميزها.
كل ذلك بفضل الجهود التي تبذلها القيادة. وربما يكون الجهد الأكثر ترسخاً وبروزاً هو الجهد المستثمر في التنمية البشرية والتي تعطي مردودها في نمو وتطور وفي صورة ولاء وحب متبادل.