العالم الافتراضي تحت الحبس الاحتياطي

أصبح الثلاثاء 14 يناير 2014، يوماً مشؤوماً لمستخدمي الإنترنت، وبالتحديد لهيئة تنظيم الاتصالات في الولايات المتحدة (FCC)، حينما أصدرت محكمة النقض الفيدرالية في العاصمة واشنطن، حكماً بعدم قانونية قيام الهيئة بفرض قواعد ولوائح تسمى لوائح "حيادية الإنترنت" أو "الإنترنت المفتوح".

وقرر حكم المحكمة، الذي جاء مسهبا في 81 صفحة، أنه لا يجوز للهيئة فرض قواعد ولوائح على مزودي خدمة الإنترنت ذي النطاق العريض، لأن هذه الخدمات تصنف على أنها خدمة "معلومات" وليست خدمة "اتصالات"، وأن الهيئة مختصة فقط بتنظيم خدمة الاتصالات، لذا فإن على الهيئة اللجوء للمشرعين لإصدار تشريع يعطيها الحق في تنظيم خدمات المعلومات أو خدمات الإنترنت. والغريب في الحكم هو الإشارة إلى جواز تطبيق هذه اللوائح، إذا تعلق الأمر باستخدام الإنترنت عبر الهاتف المتحرك، لأنها من خدمة اتصالات وليست خدمة معلومات!

وسبب إصدار الهيئة لهذه اللوائح، هو تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" في أغسطس 2010، حول حدوث مفاوضات جدية بين محرك البحث «غوغل» وعملاق الاتصالات الأميركية «فيريزون»، حيث ستقوم شركة «فيريزون» بإعطاء الأولوية لمحرك «غوغل» عند قيام عملائها بالبحث عن محرك بحث، نظير مقابل مادي مجزٍ تدفعه «غوغل»، ما يعني أن «فيريزون» ستضع عوائق وحواجز للوصول إلى أي محرك بحث آخر غير "غوغل"، عن طريق استخدام تقنية الطريق السريع (Fast Lane) التي تسهل الوصول سريعاً لبعض المواقع التي تدفع رسوماً إضافية لشركة «فيريزون»..

بينما يكون الوصول لمحركات البحث والمواقع الأخرى بطيئاً أو شبه مستحيل. ورغم نفي الشركتين للخبر، لم تقتنع الهيئة، وقامت في ديسمبر من نفس العام بإصدار لوائح "حيادية الإنترنت" أو "الإنترنت المفتوح"، لمنع هذه الممارسات الاحتكارية.

وتهدف هذه اللوائح كذلك إلى منع شركات الاتصالات أو مزودي خدمة الإنترنت، من استخدام نظام الدفع مقابل المحتوى، والذي يعني قيام مزود خدمة الإنترنت بتقديم بعض الباقات التي تتيح للمشترك الوصول المجاني لعدد من المواقع المختارة، بينما سيحتاج لدفع مبالغ إضافية لتصفح بعض المواقع، ومبالغ أكبر للحصول على حق التصفح المفتوح دون تحديد. فاللوائح تعطي أي مشترك الحق في تصفح ما يريد من المواقع، ما يمنع تحويل الإنترنت إلى ما يشبه التلفزيون المدفوع، حيث يتحكم مزود الخدمة في باقات البرنامج والقنوات.

إن "الانترنت المفتوح" أو "المحايد"، هو أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت على نمو التجارة العالمية، وعلى نمو الابتكار. وكذلك على بروز كيانات عملاقة مثل فيسبوك وتويتر وغوغل وغيرها، وعلى حرية تدفق المعلومات والأفكار. ولذا فإن الحكم سيكون له تأثير ثقافي واقتصادي يتجاوز الإنترنت إلى الحياة العامة، لأن الإنترنت اليوم هو الوعاء الرئيسي للأفكار وهو الذي يمزجها.

وقد أثار الحكم شهية الكثير من مزودي خدمة الإنترنت، لزيادة احتكارها، حيث قامت شركة "كومكاست" لخدمات البث عبر الكابل ومزود خدمات الإنترنت، بتقديم عرض للاستحواذ على شركة «تايم وورنر كابل» مقابل 45 مليار دولار، ما يعني احتكار الشركة لنحو 30 مليون منزل، أي 30% من السوق الأميركي.

وبالتالي فإن المتضرر الأكبر سيكون مستخدمي الشبكة، والشركات المتوسطة والصغيرة التي لا تستطيع منافسة الشركات الكبرى للحصول على حق الوصول لأكبر شريحة من المتصفحين. والأهم أنه سيكون بمقدور الشركات الكبرى التحكم في المحتوى، والتخلص بسهولة من المنافسين، عن طريق دفع مبالغ مجزية لشركات الاتصالات لحجب بعض المواقع المنافسة لها، أو جعل الوصول إليها شبه مستحيل.

إن الموضوع أعمق وأصعب من أن يكون حله في واشنطن، حيث إن له أبعاداً دولية ويحتاج إلى إعادة نظر وتنسيق بين كافة الدول لتعزيز الدور الريادي للإنترنت، مع الأخذ بعين الاعتبار أولويات وخصوصيات كل دولة على حدة، ومراعاة سيادة الدول وأمنها في الفضاء الإلكتروني.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات