سلوم

«أذنك مخبوقه»

لكل بلد خصوصياته اللغوية الخاصة به التي تشكلت وتكونت من خلال خريطته الاجتماعية اليومية التي هي ناتجة من قِيمِه وعاداته التي يتعامل بها أفراده في ما بينهم، مشكّلين موروثاً اجتماعياً جميلاً، يستطيع أن يستشِفَّ المتلقي مدى غزارته وعمقه، إذ إن المخزون التراثي لا ينتج ولا يتكون إلا مع أرقى وأغنى الشعوب ثقافياً.

فنحن أمة الضاد، وأمة الشعر أيضاً، ولدينا الكثير من المفردات التي تحتوي على بعد اجتماعي تعليمي تثقيفي، وفي واقع الحال لا تدل على شيء إن ترجمت حرفياً، ولكنها تعني الكثير من الجانب الاجتماعي، وجملتنا اليوم لا تخلو من ذلك العمق التراثي الشعبي «أذنك  مخبوقه».

والمعنى في الترجمة الحرفية هو أن أذنك قد ثقبت، وكما تعلمون أنه إذا ثقبت طبلة الأذن لا يستطيع الإنسان السمع.

ولكنّ هناك دلالات لهذه الجملة وأسباباً اجتماعية لاستخدامها، وهي مغايرة للترجمة الحرفية كما هو موضح أعلاه، فهناك معانٍ أبعد من ذلك بكثير، ومن خلال ترجمة هذه الجملة من قاموس خصوصياتنا اللغوية الثقافية، نجد أن هذه الجملة تقال بطريقتين؛ الأولى تطرح بصيغة سؤال كالآتي: «أذنك  مخبوقه؟»، والثانية بطريقة «أذني مب مخبوقه».

والقصد بالأذن هنا ليس السمع ولكن العقل، وكيف يحسن التصرف بالوصايا والتعليمات التي تأتيه من خلال عملية السمع من الذين يوجهونها إليه.

فعلى سبيل المثال، لو كان هناك رب عمل وقام بتوصية أحد موظفيه بالاحتراس من عميل ما، وذلك لكون أن هذا العميل لا يلتزم بوعوده في الدفع، ويأخذ البضائع، ولا يقوم بتسديد ثمنها أو مديونياته في الوقت المحدد، ويفاجأ صاحب العمل بأن موظفه قد تم خداعه من ذلك الرجل بعد أن قام بتحذيره مرات عدة، فيقول جملته له «إنته أذنك مخبوقه؟»، بلهجة استنكار واستغراب، ومعناها أنه لماذا لا تستطيع أن تعي النصائح التي من شأنها أن تفيدك ولا تحسن التصرف حتى بعد التوجيه!

وبالمختصر، كأن جملتنا تعني لمن تقال له إنه ذو عقل صغير. أما مثالنا للحالة الأخرى فهو إن قام شخص ما بتحذير شخص من آخر أو جماعةٍ ما، أو من عمل ما من شأنه أن يجلب عليه الخسارة أو المصائب، فيقول من يوصى مستنكراً «أنا أذني مب مخبوقه».

ومن ثم ترى أن موروثنا من خلال جملة اليوم، ربط حسن التصرف بالعقل دون أن يذكره أو أن يتطرق إليه، ولكن أوضح مراده من خلال السمع والأذن، ومن ثم يتأكد لنا أن موروثنا عريق بقدر الأسس التي بنته بقواعد هائلة في الحجم والمعنى.

 وللحديث صلة...

طباعة Email
تعليقات

تعليقات