حين وضعت حرب 1948/1949 أوزارها، كان الجانب الصهيوني اليهودي قد تمدد بدولته الوليدة إسرائيل على 77% من مساحة فلسطين التاريخية. لكن حيازات اليهود وممتلكاتهم الموثقة لم تزد وقتذاك على 6% من تلك المساحة.
إذا أضفنا إلى ذلك احتلال إسرائيل للضفة وغزة والقدس جراء عدوان يونيو 1967، أدركنا أن الإسرائيليين اليهود يفتقرون إلى يومنا هذا للصكوك والوثائق التي تسوغ ملكيتهم لأكثر من 90% مما يسيطرون عليه راهناً من أرض فلسطين بين النهر والبحر..
وهذه واحدة من أهم الحقائق التي تؤرقهم في الصحو والمنام، كونها تؤبد الشكوك والدعاوى بشأن حجية استيلائهم على ممتلكات الفلسطينيين، اللاجئين منهم والمقيمين.
وعليه، فإن القوى الصهيونية على صعيدي الحركة والدولة، لم ولا تألو جهداً في البحث عن "شرعنة" هذا الاستيلاء، لأنها تعلم يقيناً بأنه قائم على قانون القوة، الذي لا يعد وسيلة مثلى لضمان تحول المغتصبين الأوقاح إلى ملاك أقحاح.
ويبدو أن أحد خياراتها لتحصيل هذه الشرعنة كان ملاحقة الفلسطينيين، من حملة صكوك وسندات الملكية القانونية (أوراق الطابو)، الصادرة عن مختلف العهود، لاسيما العثماني والانتدابي البريطاني منها، بغرض التنازل عنها طوعاً أو كرهاً.
بصيغة أخرى، يستميت الصهاينة، داخل إسرائيل وخارجها، لأجل تحويل سيطرتهم على أرض فلسطين، من عمليات اغتصاب بالقوة الجبرية إلى عقود بيع وشراء. ولتحقيق هذه الغاية، فإنهم يلجأون إلى ضفيرة من الأدوات، تراوح بين التهديد والإكراه والإغواء والإغراء مروراً بالتحايل والتزلف والتزوير.
وكان احتلالهم الضفة وغزة والقدس وأجزاء من جنوب لبنان بفعل حروبهم العدوانية، قد أتاح لهم ولمحاسيبهم فرصاً للتواصل مع قطاعات كثيرة من اللاجئين الملاك، واستخدام هذه الأدوات بالجملة والقطاعي.
هناك مئات الأمثلة على محاولات الإيقاع ببعض هؤلاء الملاك.. ومما سهل الاجتراء على هذه المحاولات وشجع عليها، وقوع اللاجئين تحت طائلة العوز والضغوط الاقتصادية والمعيشية في مختلف أماكن شتاتهم القسري.
ففي سياق هذه البيئة السلبية، جرى تسويق ممنهج للاعتقاد بأن بيع اللاجئين لممتلكاتهم، يمثل سبيلاً مناسباً للخلاص الفردي أو الأسري والإبحار في حياة جديدة أكثر بحبوحة وإنسانية ووفاءً بالحاجات..
وراح المساومون الصهاينة يجادلون بأن الأرض الفلسطينية مستقرة بالفعل في جوف إسرائيل، وان اللاجئين لن يعودوا إليها ولا هي ستعود إليهم إلى الأبد، شاء من شاء وأبى من أبى.. ولهذا فالأفضل هو أن يقبلوا بما يعرض عليهم من صفقات.
وفقاً لهذا المنطق الفاجر، لم يميز الصهاينة بين بيوع الأراضي المعتادة وبين المتاجرة بالأوطان والهويات.. بل ومضوا يتوسلون بالمنطق ذاته، مع بعض التعديلات النسبية، في التعامل مع الملاك الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967. وفي هذا الإطار جرى وضع القدس على رأس الأجندة.
والنموذج الأكثر تكرارية بالخصوص، هو اعتصار الملاك المقدسيين داخل المدينة وضواحيها، بوضعهم في خلاط إجراءات خانقة تجعل الحياة جحيماً، ثم الإطلال عليهم بالحل السحري اللعين، المتمثل في عروض لبيع ممتلكاتهم بأثمان خيالية. ليس يخفى أن أجواء التسوية السلمية للصراع الصهيوني العربي، أضافت مزيداً من التسهيلات لهذه التوجهات والأفاعيل الجهنمية.
فالشق العربي من التسوية أمد الإسرائيليين بخطوط للاتصال مع اللاجئين في بعض الرحاب العربية المضيفة.. أما الشق الفلسطيني منها فأسس لبعض الإحباطات واليأس بين اللاجئين، إزاء إمكانية تحرير فلسطينهم التاريخية أو حتى احتمال تطبيق حقهم في العودة إليها.
ولا ريب في أن هذه المعطيات شكلت مناخاً مثالياً لزحف السماسرة وممارسة ألاعيبهم إلى ما هو أبعد من الحدود المباشرة مع إسرائيل، وصولاً إلى بعض المخيمات. ولعل آخر الأنباء بهذا الصدد، ما ورد على لسان أحد البرلمانيين الأردنيين في فبراير الماضي من أن "..السفارة الإسرائيلية في عمان، تقوم بتجاوز مهامها الدبلوماسية إلى مساومة لاجئين فلسطينيين على أراضيهم.."!
نثق تماماً وبلا حدود في أن جموع اللاجئين عموماً لديهم قرون استشعار شديدة الحساسية لمثل هذه الجهود الصهيونية المحمومة ومخاطرها، وأنهم على درجة من الوعي تمكنهم من مواجهتها بكل صلابة.. ب
يد أننا في الوقت ذاته، لا نملك قاعدة بيانات حول المديات التي بلغتها هذه الهجمة وحظوظها الحقيقية من النجاح والإخفاق، أقله لأننا إزاء قضية تتحرك وتتفاعل في دائرة من السرية والغموض، وما يعلم عنها أقل بكثير مما هو مجهول منها.
نحن نشدد على ضرورة كسر هذه الدائرة، فلسطينياً وعربياً، حيثما ظهرت لها بوادر وتجليات. تماماً مثلما فعل البرلماني الأردني الشجاع.