انطلقت منذ الأول من أبريل الجاري الحملة الانتخابية في العراق التي تجرى كل أربع سنوات لانتخاب مجلس النواب الذي ينبثق عنه مجلس رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء. فهذه الانتخابات هي الحدث الأكثر أهمية في الحياة السياسية في العراق.

تأتي هذه الانتخابات في ظروف ليست أفضل مما كانت عليه في الانتخابات الماضية بل يمكن القول إن المناخ العام في الوقت الحاضر أسوأ مما كان عام 2010 في أكثر من ناحية، فهناك حرب قائمة في أكثر من مكان في العراق وهناك توتر على أشده بين بغداد وأربيل وهناك نقمة عامة على الوضع القائم ودعوات ملحة للتغيير، هذا إلى جانب بقاء الآفة الكبرى التي تنهش بالعراق وهي الاصطفاف الطائفي.

تتميز الخارطة الانتخابية بتفكك الكتلتين الكبيرتين، التحالف الوطني والعراقية، اللتين حصدتا غالبية الأصوات في انتخابات عام 2010 ونزول مكوناتهما في قوائم متعددة لا يخلو الاصطفاف في معظمها من نكهة الطائفية.

مقابل ذلك هناك توجهات نحو اصطفافات وطنية عابرة للطائفية تسعى لطي صفحة عقد كامل من الضياع في العراق، وأبرز هذه الاصطفافات هي "الوطنية" بزعامة إياد علاوي وهي تضم العناصر الليبرالية التي كانت ضمن "العراقية" في انتخابات 2010..

و"التحالف المدني الديمقراطي" الذي يضم قوى ليبرالية ويسارية وعروبية يزيد عددها على خمسة وعشرين كياناً سياسياً، و"ائتلاف العراق" وهو كيان انتخابي حديث التكوين يسنده عدد من رجال المال والاقتصاد ويضم عدداً من الكيانات السياسية المستقلة يربو على الثلاثين كياناً.

مضت إحدى عشرة سنة منذ سقوط النظام السابق وبدء العملية السياسية الجديدة، ومضت ثماني سنوات منذ سيطر حزب الدعوة على مفاصل العملية السياسية ليثبت فشله في تفهم طبيعة المرحلة الراهنة ويثبت فشلاً مطبقاً في إدارة شؤون البلد، وهو يطمح رغم هذا السجل السلبي الخاوي أن يستمر في الحكم لدورة نيابية ثالثة. ووصلت حالة الاستياء من الطاقم السياسي الحاكم الذي يتحمل مسؤولية الفساد والتدهور الأمني أن عمدت معظم المرجعيات الدينية في النجف بشكل علني إلى النأي بنفسها عن هذا الطاقم.

هناك دلائل تشير إلى أن ظاهرة العزوف عن المشاركة ستكون أكثر وضوحاً عن ذي قبل وذلك بسبب اليأس والإحباط من جدوى المشاركة في الانتخابات حيث يجد الناخب أمامه الوجوه نفسها المسؤولة عما وصل إليه البلد.

ولكن ذلك لن يؤثر على شرعية العملية الانتخابية حتى لو شارك فيها أقل من نصف الذين لهم حق المشاركة، إلا أنه سيكون له تداعيات سياسية وهي ضعف القاعدة التي تستند إليها الهيئات التي ستنبثق عن الانتخاب وبالتالي هشاشتها وضعف مقبوليتها.

"التغيير" المطلوب بشكل ملح في العراق ليس تغييراً في الوجوه التي تدير دفة البلد بل تغيير في النهج المتخلف الذي تدار به الدولة. العراق بلد يعج بالكفاءات في مختلف المجالات ورغم هجرة مئات الآلاف منهم على مدى عقود من السنين ورغم ترحيب بعض الجهات الحاكمة بالدفع نحو المزيد من هجرة هؤلاء فإن الداخل العراقي لا يخلو من عناصر كفوءة ذات مهنية عالية في جميع المجالات.

إلا أن هؤلاء مستبعدون بسبب النهج المدمر الذي بنيت عليه العملية السياسية نهج المحاصصة الإثنية والطائفية التي شرذمت الشعب العراقي وأضعفت الهوية الوطنية وخلقت بؤر احتكاك وصراعات سمحت لدول خارجية أن تنفذ منها لتحقيق أغراض لا تستطيع تحقيقها حين يكون العراق معافى.

 

التيارات المدنية الداعية للتغيير والعابرة للطائفية هي الأمل الوحيد لنهوض العراق إلا أنها لا تزال ضعيفة التأثير خاصة خارج المدن الكبيرة، فهي لا تستند إلى بنى ذات جذور في المجتمع بعد أن عمقت الأحزاب والتكتلات الطائفية وجودها خلال السنوات الثماني المنصرمة مستفيدة من الأموال التي أتاحتها لها هيمنتها على العملية السياسية في شراء الولاءات وتصفية المعارضين والقيام بحملات إعلامية دعائية ضخمة ليس بقدرة التيارات المدنية ذات القدرات المالية المتواضعة أن تجاريها.

من جانب آخر أضعفت القوى المسيطرة على العملية السياسية عن طريق هيمنتها على السلطة التشريعية من فرص التيارات المدنية للحصول على مواقع في مجلس النواب عن طريق نجاحها في تمرير تعديل في قانون الانتخاب المعتمد "سانت ليغو" بعد النتائج غير المريحة التي حصدتها كتلة دولة القانون في انتخابات المجالس المحلية. ولا سبيل لهذه التيارات المدنية سوى إقامة التحالفات مع القوى التي بدأت تنأى بنفسها عن المالكي وحزبه.

ثمة مسألة على قدر كبير من الأهمية ينبغي أن تحظى باهتمام المواطن العراقي هي ما يتعلق بما نص عليه الدستور من أن الانتخاب هو "حق" للمواطن، فالدستور لا يلزمه بالمشاركة ولكن الظروف التي يمر بها العراق والمخاطر الذي تتهدده جراء استمرار النهج القائم تجعل عملية الإدلاء بالرأي والمشاركة في الانتخابات واجباً وليس حقاً فقط وذلك لأن المشاركة في الانتخاب من أجل التغيير هي بمثابة المشاركة في الدفاع عن الوطن وإنقاذه وهذا واجب مقدس.

الانتخابات تجرى في أجواء فراغ دستوري خطير وهو عدم وجود قانون لتنظيم العمل السياسي للأحزاب، قانون يحدد شروط إجازتها وشرعية ممارستها للعمل ويلزمها بالإعلان عن ارتباطاتها وعلاقاتها الخارجية ويلزمها كذلك بالكشف عن مصادر تمويلها، وهو أمر طبيعي في كل بلد ديمقراطي وتزداد أهميته في العراق منذ سقوط النظام السابق حيث استبيحت ساحاته وارتهنت إرادات العديد من قواه السياسية لصالح سياسات لا تأخذ مصالح العراق قدر ما تراعي مصالح قوى أخرى ليست عراقية.

أبرز ما تستطيع التيارات المدنية الاستفادة منه هو رصيد الإنجاز الذي يقرب من الصفر للسلطة التنفيذية القائمة وعجزها عن مواجهة الأزمات الخطيرة التي يمر بها العراق بل مسؤوليتها المباشرة عن خلق بعضها من جهة، وبؤس أداء مجلس النواب الذي أتى بهذه السلطة التنفيذية إلى الحكم من جهة أخرى.