دعا البيان الختامي للقمة العربية الأخيرة بالكويت إلى توفير شبكة أمان مالية، بمبلغ مائة مليون دولار شهرياً لدولة فلسطين، وذلك لدعم القيادة في ضوء ما تتعرض له من ضغوط مالية، واستمرار إسرائيل في عدم تحويلها للأموال المستحقة لدولة فلسطين.
في اليوم التالي مباشرة لصدور هذه الدعوة شبه الاستعطافية؛ التي قد لا تنطوي على إلزام للمدعوين، أظهرت دراسة نشرت بالولايات المتحدة أن مؤسسات المجتمع المدني اليهودية الأميركية، تجمع تبرعات بقيمة 26 مليار دولار سنوياً، يذهب نحو 40% منها إلى إسرائيل.
هذا يعني ببساطة أن إسرائيل تتلقى عوناً مالياً سنوياً من اليهود في دولة واحدة فقط مقداره عشرة أمثال ما هو مطلوب للفترة ذاتها من مجموع الدول العربية، لدعم الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال والتأسيس.
ومن الأبعاد الأخرى لهذه المفارقة المحزنة، أن مصدر المدد المومأ إليه بالنسبة لإسرائيل، هو مجرد منظمات يهودية أهلية، تقع في مرتبة أدنى من حيث الموارد والتنظيم والقدرة علي الحشد والإلزام، قياساً بحال دول الأمة المدعوة لردف الكفاح التحرري الفلسطيني بعشر هذا المدد.
تبرر الأدبيات الصهيونية منح التبرعات اليهودية لإسرائيل بأنها تقوي الصلة العاطفية والروحية الدينية بين يهود العالم و"دولتهم". غير أن القضية تتجاوز هذا المنطق الإحساني.
فهي عند نخب الحكم والسياسة الإسرائيلية تعبير مادي عن الشراكة العضوية من جانب اليهود في قيام هذه الدولة وضمان ديمومتها وقوتها. كما أنها دليل على قناعة اليهود الذين لا يؤثرون الهجرة إلى إسرائيل بالمثل الصهيونية والشعور بالانتماء إليها.
كأن الصهاينة بعامة والإسرائيليين بخاصة، يقاربون التبرعات باعتبارها حقاً واجب الأداء على اليهود وليس منة منهم، وذلك تعويضاً عن عدم انتقالهم إلى إسرائيل الدولة واستيطانها. ويذهب بعض المتبرعين إلى أن عطاياهم لإسرائيل تقيهم شرور التشهير بهم من قبل الصهاينة والإسرائيليين وأدواتهم الدعائية والإعلامية والسياسية الجبارة.
اعتمد المشروع الصهيوني الاستيطاني على آلية التبرعات واستخدام أموال الجماعات اليهودية وتوظيفها. بيد أن الدور الذي اضطلع به اليهود الأميركيون في هذا السياق يظل مدعاة للتأمل.
ليس فقط لكبر حجم هذه الجماعة وثرائها النسبي الواضح وطاقتها على العطاء، وإنما أيضاً وأساساً بسبب التسهيلات الحكومية المتاحة لها. فالجهات والمؤسسات اليهودية الأميركية تصب أموالها في جيوب الإسرائيليين، وهي مطمئنة إلى التغطية الحكومية متعددة الأنماط في واشنطن، وعلى رأسها الإعفاءات الضريبية.
هنا يطرح السؤال عما إذا كان من المناسب إثارة هذه المسألة مع الراعي الأميركي للتسوية الفلسطينية، فأموال التبرعات اليهودية الأميركية تستخدم في تمويل سياسات استيطان الأرض الفلسطينية المحتلة وتهويدها، وبالتداعي تعزيز التطرف الإسرائيلي في الاعتداء على حقوق الفلسطينيين، وإطالة عمر الاحتلال وعرقلة جهود التسوية.
غير أن الأسئلة الأكثر وجاهة وسهولة في هذا المقام، تتعلق بالدعم الموازي العربي أو العربي الإسلامي للطرف الفلسطيني. إذ لا تكاد تمر مناسبة عربية أو إسلامية مشتركة تستطرد إلى الصراع مع إسرائيل، دون أن يشتكي فيها الفلسطينيون من العسر المالي وضيق ذات اليد، ويناشدون القوم دعمهم.
ولا يعدم المتابع العثور على مناسبات هبطت فيه هكذا مناشدات إلى درك توسل المؤازرة المالية، لاستنقاذ ما تبقى من مدينة القدس ورحاب أولى القبلتين وثالث الحرمين من وحش التوسع الاستيطاني الصهيوني. وأحياناً لتوفير ما يسد الرمق ويقي بعض الفلسطينيين من غائلة الجوع.
هذا في حين لم يحدث قط، أن عانى الصهاينة والإسرائيليون من العوز أو العجز المالي على شاكلة الفلسطينيين. لقد تمتع المشروع الصهيوني في كل مراحله بمدد مالي لا ممنوع ولا مقطوع. وما لم يستطع الصهاينة تدبيره من يهود العالم، تولت الحكومات الغربية سداده من أقوات شعوبها.
لا يمكن بحال أن تكون الأواصر المنظورة وغير المنظورة، التي تشد يهود العالم إلى إسرائيل، بأقوى من نظائرها التي تشد العرب والمسلمين إلى فلسطين، أرضاً وشعباً ومقدسات.
فلماذا إذن يتكفف الفلسطينيون الناس ويفتقرون إلى المال الذي يمكنهم من مقاومة البغي، فيما يعيش الإسرائيليون في بحبوحة مالية، تستخدم في تشجيع إرهاب الدولة وارتكاب الموبقات وانتهاك الحرمات؟ أين كلمات السر في هذا المشهد العبثي المؤلم؟