أعادت زيارة الرئيس الأميركي أوباما للسعودية، موضوع العلاقات السعودية الأميركية إلى الواجهة، خاصة بعد تزايد الحديث في الآونة الأخيرة عن خلافات واضحة بين البلدين. وراج حديث عن شبه انسحاب أميركي من منطقة الشرق الأوسط، والتركيز على مناطق جغرافية في شرق آسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية، مما جعل قضايا الشرق الأوسط تصبح بعيدة عن الأولويات الأساسية لجهود السياسة الأميركية.
ويبدو أن التوافق السعودي الأميركي كان مركزا على العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وأن العلاقات عميقة وذات أبعاد مختلفة، بينما الخلافات التكتيكية موجودة بين البلدين. وإذا كانت السعودية عرفت في سياستها بالهدوء والميل إلى التوافق، فإنها في الفترة الأخيرة اتخذت قرارات مهمة، وخرجت إلى ساحة المبادرة السياسية وتبني قرارات تكون أحيانا صعبة، ولكنه خط سياسي جديد.
وجدت السياسة السعودية نفسها في مواجهة مع أوضاع تتطلب قرارات قيادية واتخذتها، سواء في دعم ثورة 30 يونيو المصرية أو في دعم ثورة الشعب السوري. وكذلك مفاجأتها للعالم باعتذارها عن عضوية مجلس الأمن الدولي، لعدم قناعتها بفعاليته.
العالم يتغير، ومراكز القوى العالمية تتبدل. والسياسة ليست هي فن الممكن وحسب، بل هي المتغير الدائم في زمن تبدل المصالح والتحالفات. والسعودية حينما تتجه شرقا وتفتح قنوات تعاون واسعة مع مراكز قوى عالمية جديدة، فهي تتبنى السياسية الواقعية في التعامل مع المستجدات. ويظل العمق الخليجي المحور الأساسي لأمن دول الخليج، خاصة في ظروف التوتر التي تفرضها طموحات التوسع الإيراني في المنطقة.
وظهر واضحا أن مجلس التعاون الخليجي ليس في أفضل أوضاعه، وهذا يهز مؤسسة إقليمية عرفت بنجاحاتها، في خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الأحداث الإقليمية والثورات التي أسقطت أنظمة، وملامح لخريطة جديدة للمنطقة بدأت بانفصال دول وبوادر لانفصالات جديدة. وأدى التباعد الخليجي القطري إلى إضعاف مؤسسة مجلس التعاون، وأصبح الثقل يتركز الآن في التنسيق الملموس بين السعودية والإمارات والبحرين، في اتخاذ مواقف سياسية موحدة.
وكان واضحا أن الملف الإيراني سيشغل حيزا من المفاوضات السعودية الأميركية، وكشفت التسريبات أنه كانت هناك مصارحة واضحة حول هذا الملف، وأن واشنطن أكدت أنها لن ترضى باتفاق سيئ مع إيران.
ويبدو أن الرياض نقلت رسالة واضحة بأن الموضوع لا يتم اختزاله في قضية النووي الإيراني، فهذا جانب من القصة، ولكن تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول الخليجية، وفرض أجندتها السياسية على الدول العربية، واستخدامها كل الوسائل في سبيل ذلك، تفتح الباب لأزمات كبيرة في المنطقة.
الزيارة أهميتها في تأكيد العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وليس سراً أن التنسيق السعودي الأميركي في مراحل سابقة لعب دورا مهما في قضايا إقليمية ودولية، وكان هناك تفاهم حول النظرة المشتركة للأزمات وحلولها. وما واجهته الرياض حاليا، أنها اضطرت لأن تتولى القيام بأدوار في ظل غياب التنسيق الأميركي، وهو واقع جديد نشأ عن تغير في أولويات السياسة الأميركية في المنطقة، والتردد الواضح في قرارات الإدارة الحالية في واشنطن.
وتتبنى السعودية بوضوح دعم المعارضة السورية، وتسعى لحشد التأييد الدولي للمعارضة المعتدلة، في حين أن الارتباك الذي أبدته واشنطن تجاه الأزمة السورية، سبب امتعاضا واضحا في السعودية. وكانت المواقف المتضاربة للبيت الأبيض في قضية استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي ضد شعبه، مثالا على التخبط الواضح للإدارة الأميركية في معالجة الأزمة السورية. ويبدو أن الموقف الأميركي المعارض لتسليح المعارضة السورية ما زال قائما، مبررة ذلك بخوفها من أن تقع هذه الأسلحة في أيدي جماعات إرهابية.
تباين المواقف تجاه الأزمات حالة صحية في التعامل السياسي، ويعكس التعامل الندي في العلاقة بدلا من العلاقة التابعة، ولكن يبقى الأساس في عمق العلاقة الاستراتيجية بين البلدين. فسوف تظل الولايات المتحدة تحتاج إلى الرياض، ليس نفطا وحسب، بل دورا سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا في المنطقة.
وأثبتت الأحداث الأخيرة في المنطقة، مثل أحداث مصر، صحة القرار السياسي السعودي، وفهمه للمنطقة والأبعاد المختلفة لأوضاعها السياسية. ولذلك تغير الخطاب الأميركي تجاه الأوضاع في مصر، وأصبح أكثر تفهما للوضع الجديد.
زيارة أوباما إلى الرياض لم يتوقع أحد أنها ستأتي بحلول سحرية لكل الملفات العالقة بين البلدين، لكنها وضعت تعريفا جديدا للعلاقة؛ نحن نختلف في ملفات وربما تتباين الرؤى تجاه بعض القضايا، لكن تظل العلاقة الاستراتيجية بين البلدين هي الأساس. وستبقى حاجة البلدين لبعضهما قائمة، لأن لغة المصالح بينهما تفرض تعميق العلاقة وتطويرها.. ودائما صوت المصلحة يكون أعلى.