ما أجمل الحصاد، حين ينضج الثمر ويخرج من أكمامه، وحين يرى من غرس البذرة وتعهدها بالرعاية والعناية نتاج فكره.. وما أجمل الفكرة حين يحولها الناس من خواطر وأمنيات إلى واقع يلمسه الناس.. وما أجمل الواقع حين يلبي طموحات البشر ويستطيع كل فرد أن يخرج من مخزون أفكاره إبداعات يسعد بها أصحابها..

وما أعظمها من سعادة حين تبنى على جهدك وعرقك وحين تتخطى أفكارك ذاتك ليكرمك من حولك على ما قدمت وأحسنت.. وما أجله من تكريم حين يكون من صاحب الفكرة وراعيها وقائد مسيرة التميز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي يرعى ويكرم اليوم أصحاب التميز والسائرين على دربه.

اليوم يكرم رائد التميز السائرين على دربه، كيف لا وهو صاحب الفكرة منذ انطلاق مسيرتها عام 1997، وهو يسعى لتطوير أداء الدوائر الحكومية بمختلف عناصرها، والبعد عن التقليدية والرتابة التي تصيب أصحابها بتكلس الفكر وعقم الإبداع وقتل الدافعية والعجز عن ابتكار أساليب جديدة، ما يجعل الإدارة عاجزة عن أن تنتج مبدعا أو تشحذ طاقة أو أن تتقدم بصاحبها أو الدائرة التي يعمل فيها خطوة إلى الأمام.. كانت الصيحة إذاً، وكان النداء لأبناء الوطن أن هبوا للسير في طريق لا يعرفه غير قوي العزيمة.. صاحب البأس؛ طريق الرجال وبناء الأوطان.

وهنا درس كبير في التميز يجب التوقف أمامه لنتأمله، فكثيراً ما تدعو القيادات شعوبها لأفكار، ولكن قليل من يستطيع أن يحول الفكرة إلى واقع وأن يصبر عليها، وإذا حدث فإن القليل منهم من تنجح أفكارهم على أرض الواقع.

وهنا نعرف كذلك كيف أن الرؤية الواضحة ونفاذ البصيرة واستشراف القيادة للمستقبل، هي السبيل إلى تحويل الأفكار إلى خطط عمل، كما أن الجناح الآخر لطائر التميز، الذي يحلق عاليا يوما بعد يوم، هو إيمان الشعب بالفكرة والعمل لها وبها، فهو المشارك في نجاحاتها، وهو الضامن لاستمرارها، وهنا ترسم لوحة جميلة مبدعة لتلاحم القيادة مع الشعب.

وكيف أنها تعزف لحن البناء بتناغم شديد، ليطرب العالم من حولنا ويسعون إلينا راغبين في معرفة عبقرية التجربة، بعدما أضحت دبي اليوم نموذجا يتطلع إليه العالم بشغف وترقب، لأنها تخرج كل يوم الجديد من مكنون إبداعات أبنائها.

وما يستحق التوقف في برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، أنه فكرة وطنية خالصة، ونموذج رائد على مستوى العالم، كما العديد من الأفكار المبدعة التي نراها كل يوم في وطننا، لذا فإن شرف الالتحاق بركبه أصبح هدفا لكل من يعمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية، مما انعكس على مستوى أدائهم وعطائهم، ووفر بيئة مواتية للإبداع لا يحكمها التسلسل الإداري، ولكن جعل الكفاءة أسبق من الركون لسنوات العمل، مما جعل الدوائر الحكومية بيوتا للإبداع وصناعة المبدعين، عبر المنافسة المحمودة بين العاملين في الحقل الواحد.

إن كثيرا من الأفكار ما يلبث أن يخبو ويذبل، إلا أن برنامج دبي للأداء الحكومي يحمل في طياته أسباب قوته، لأنه برنامج له رؤية ورسالة تسعى لإحداث نقلة نوعية، ليس فقط في الأداء ولكن في نتائج أداء الدوائر الحكومية في دبي، لتصل إلى مستوى رائد عالميا، وفق معايير ومقاييس محددة وغير جامدة، تستوعب تطورات العصر ولغته عبر التحديث الدائم، فضلاً على ذلك فهو برنامج لا يتعامل مع المعنيين به على أنهم آلات صماء مطلوب منهم تحقيق نتائج فحسب.

بل يحمل قيما يسعى إلى غرسها بينهم، منها العدل والإنصاف وهو أساس الإبداع، والشفافية ليعلم كل فرد جوانب الإحسان وجوانب الضعف ليجبرها، والابتكار حيث لا مكان للأداء التقليدي، والعمل الجماعي فالفرد ضعيف بمفرده قوي بمن حوله، وروح المبادرة والنزاهة والتعلم المستمر وهي من سمات الناجحين دوما.

ولأن تجربة دبي في الأداء الحكومي ليست شأنا خاصا أو داخليا، في وقت أصبح العالم من حولنا ينتظر ما ستقدمه دبي في شتى المجالات، ومن واقع تجربتي في تقييم الأداء، أود الإشارة إلى أنه لا يجب أن تتعامل المؤسسات باعتبار أن عملاءها هم الجمهور المحلي فقط، وتغفل آفاقا أكبر حين تتسع دائرة الرؤية لتشمل غيرهم، بما ينعكس على صورة وطننا في الداخل والخارج.

ولقد كان لي شرف الانضمام إلى الكتيبة الوطنية من المقيمين لفرق الشرف والبناء، وأتيح لي أن أتعامل مع الشباب وأطلع على أفكارهم، ولأن التميز شأن يرتبط بالهدف والرؤية والغاية، ولأن غايات حكومة دبي ليس لها حد يحدها، ورؤيتها تشمل البشر قبل الحجر، وهدفها الحكومة الأذكى عالميا خلال سنوات ثلاث، هنا تصبح معايير التميز قاسية والوصول إليها ليس بالأمر الهين، لذا حق للمتميزين أن يسعدوا مرتين: الأولى بتميزهم، والثانية لأن تميزهم جاء ضمن برنامج حكومة دبي، وهو ما يضيف إلى التميز تميزا.

إن عبقرية برنامج التميز الحكومي أنه حول التنظير في مجال التنمية البشرية وإعداد القيادات الشابة ورعاية المبدعين، إلى ميدان عمل وتطبيق لا حدود تحده، فانطلق الشباب بأفكارهم يمنة ويسرة بحثا عن الجديد، فأوجد لديهم الدافعية والقدرة على صناعة الفكرة فسلكوا طريق التميز، ومن ذاق طعم التميز لن يرتضي له بديلا..

ولأن الفضيلة كل لا يتجزأ، فمن تميز في عمله لن يقبل بغير ذلك في حياته اليومية، لنجد أنفسنا في الأخير ليس فقط أمام أداء حكومي متميز، بل أمام فرد اعتاد على التميز، وهل تتقدم المجتمعات إلا بأفرادها لتكون المحصلة النهائية مجتمعا متميزا، تلك هي النتيجة الحتمية والمنطقية.. والتاريخ يخبرنا أن رقي الأمم كان بدايته أفرادا تميزوا، كما أن انهيارها وتخلفها بدأ بأفراد تهاونوا وارتضوا الدنية في دنياهم.

تلك هي المعادلة العبقرية التي صنعتها القيادة الرشيدة، وهى تجني اليوم حصاد غرسها، فطوبى لمن وضع البذرة، وطوبى لمن تولاها بالسقيا والرعاية، وطوبى لمن أحب هذا الوطن.