على الرغم من الهزيمة العسكرية القاسية التي ألحقتها إسرائيل بالعرب عام 1967، إلا أن معظم المكتسبات التي حققتها منذ ذك الحين، تبدو أقرب إلى الطبيعة السياسية والقانونية والمعنوية منها إلى التسليم بتمددها الجغرافي على الأرض.

فبفعل تداعيات تلك الهزيمة وتوابعها، تمكنت إسرائيل من مراكمة اعترافات عربية متتالية بوجودها وأحقيتها في العيش، ضمن حدود ما زال ترسيمها يجري تباعاً.

وقد تم توثيق هذه الاعترافات بمعاهدات واتفاقات للسلام مع بعض الأطراف العربية، وكذا مع النظام العربي برمته من خلال مبادرة السلام الاستراتيجي، المعروضة للتداول في انتظار القبول الإسرائيلي منذ العام 2002.

القصد أنه في سياق مقاربة عربية مغايرة ومفارقة لأهداف وسياسات وشعارات ما قبل هزيمة 1967، حصلت إسرائيل على معاهدتي سلام كاملتي الأوصاف مع كل من مصر والأردن، بما أراحها من عناء الاستنفار والتعبئة الدائمة على أطول جبهتين عسكريتين عربيتين.

كما نالت تسليماً عربياً عاماً وفلسطينياً خاصاً، بوجودها وإمكانية التعايش والجوار السلمي معها، بشروط تفاوضية غير مستحيلة التحقق. ومع ذلك ما زلنا نجد بين الإسرائيليين من يتأففون من هكذا مكتسبات، ولا يرونها غاية المراد.

لو كان الصراع الإسرائيلي العربي يدور في فلك المواجهات أو المنازعات المعتادة بين الدول والكيانات السياسية، لثمن الإسرائيليون هذه التحولات والمستجدات عاليا وعضوا عليها بالنواجذ، لكونها تضمن لهم الاستقرار والأمن الوجودي والحدودي، وتعبد السبل والمناخات اللازمة لحقن الدماء والموارد، وإقرار التعاون الإقليمي التنموي البناء، وتؤدي إلى الالتفات والتفرغ لما يشبع من جوع ويؤمن من خوف.

لكن إسرائيل ليست كسائر الدول والكيانات، ولا الصدام معها كسائر الصدامات. ومناط الاختلاف هنا هو في جوهرها الاستعماري الصهيوني الاستيطاني، الذي يعلي شأن التوسع الجغرافي والاجتهاد في استئصال سكان الوطن الأصليين.

نحن بصدد دولة ذات شراهة فطرية للتمدد عضوياً على الأرض، دولة تحوي نخباً سياسية وأطيافاً شعبية لا يستهان بحجمها؛ تسخر من معاهدات السلام واتفاقات التسوية مع العرب، فرادى أو مجتمعين، بحسبها تحول دون إشباع هذه الشراهة.

فالاتفاقات والمعاهدات ليست عند هؤلاء سوى أوراق وأضابير وملفات تحمل توقيعات وتتحدث عن ضمانات وأمنيات حالمة؛ ذات قيمة معنوية، بيد أنها لا تضيف إلى الدولة مساحات جديدة من الأرض، ولا تطفئ شهوتها للتوسع.

انطلاقاً من هذه القناعة، كثيرا ما علق غلاة الصهاينة على حصاد التسويات مع الأطراف العربية، بأن إسرائيل تعيد إلى العرب أرضا وموارد ملموسة، في مقابل رزم من الأوراق والتعهدات والعقود القابلة للنقض، والتي قد تتقادم مع مرور الزمن وتغير الشخوص والنفوس وموازين القوى.

وهكذا فإن هؤلاء المتعصبين يعضون على أناملهم من الغيظ، بالنظر إلى اعتقادهم بأن الصلح مع مصر والأردن، مثلا، أخرج إلى الأبد كلا من سيناء وشرق الأردن من دائرة احتمال التوسع الإسرائيلي إلى الجنوب والشرق.

ويتضاعف هذا الغيظ عندما تهيج في خواطر أصحابه ذكرى التطورات، التي أجبرتهم عنوة على استبعاد كل من جنوب لبنان وقطاع غزة من هذه الدائرة.

في غمرة هذه المشاعر المنحرفة المهتاجة، عادة ما يثير المتعصبون الإسرائيليون التساؤل عن جدوى حروبهم عامة وحرب 1967 خاصة، طالما أنها لا تؤدي إلى استحواذهم على مزيد من الأرض.

يدور هذا الاستفهام أو الاستنكار في عقولهم، ويجري صراحة على ألسنتهم، رغم مساهمة بعض هذه الحروب العدوانية في تحقيق تسويات من شأنها دفن خطيئتهم الأولى، المتعلقة بالاستيلاء على المساحة الأكبر من وطن الفلسطينيين.

ومما يعزز هذا التقدير، الاستثنائي في تواقحه وجرأته على أخلاقيات التعامل السلمي والقانوني الدولي، إدراك هؤلاء أن أحدا من العالمين لم يعترف بعمليات الضم والقضم لأقسام من الأرض العربية التي احتلت عام 1967.

وهذا ما يقودهم إلى الاستماتة في تحصيل هذا الاعتراف وشرعنته، لا سيما من جانب الطرف الفلسطيني بالنسبة لمناطق الاستيطان في الضفة ورحاب القدس. لا يريد الإسرائيليون تسوية تخرجهم خالي الوفاض جغرافيا، من نتائج احتلالهم المديد لبقية فلسطين التاريخية منذ 1967..

فكيف الحال بهم إذا ما أنجبت هذه التسوية دولة للفلسطينيين؟ على أن أصحاب هذا العقل التوسعي المقيت، يتجاهلون أن التسوية الجاري طبخها سوف تثبت احتلالهم لنحو 22% من فلسطين التاريخية، وهي المساحة التي تمددت عليها دولتهم منذ حرب 1948/1949، زيادة على الحصة التي خصصها لها قرار التقسيم المنكود عام 1947.

في جدل التسوية الراهن، يتعامل الإسرائيليون مع هذه المساحة وكأن الفلسطينيين قد سلموا كليا باستلابها. هذا مع أن غياب استطراد المفاوض الفلسطيني إليها، يمثل واحداً من أهم تنازلاته من أجل التوصل إلى السلام الدائم.

وإذا ما استمر الإسرائيليون في مهاتراتهم التفاوضية، فمن الوارد أن يعيد الفلسطينيون النظر في هذا التنازل، ضمن عملية أشمل لإعادة تصفيف أوراقهم.. بل وربما تعين عليهم أن يفعلوا ذلك قريبا، على اعتبار أن أفول آمال التسوية السلمية، قد يستدعي العودة إلى بعض مربعات الصراع القديمة.