تعيش الولايات المتحدة هذه الأيام أجواء لا تختلف كثيراً، في تقديري، عن الأجواء التي عاشتها في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات الماضية. فهي أجواء تجاوزت فيها أجهزة أمنية واستخباراتية صلاحياتها، وخرجت عن السيطرة، حتى صارت تهدد الديمقراطية الأميركية ذاتها.
فالمعركة الكبرى الدائرة منذ أسابيع بين لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ووكالة المخابرات المركزية، والتي اتهمت فيها السيناتور ديان فاينستين، رئيسة لجنة الاستخبارات، وكالة المخابرات المركزية بالتجسس على لجنتها، معركة تمس الدستور الأميركي، وتتعلق بجوهر الديمقراطية الأميركية.
وترجع جذور المعركة إلى البرنامج السري الذي أنشأه بوش الابن عام 2002، لاعتقال المشتبه فيهم وتعذيبهم في غوانتانامو وغيره من السجون الأميركية. وقد ظل البرنامج سرياً، لم يتم حتى إطلاع الكونغرس عليه، بمن في ذلك أعضاء لجنتي الاستخبارات في المجلسين، باستثناء رئيسي اللجنتين وزعيمي الأقلية فيهما دون باقي الأعضاء.
وقد ظل الوضع كذلك إلى أن قام مدير المخابرات المركزية مايكل هايدن في 2006، بإخطار باقي أعضاء اللجنتين في المجلسين، قبل الإعلان الرسمي عن البرنامج بأيام. لكن ما هي إلا شهور حتى نشرت الصحف أن الوكالة قد أعدمت الشرائط التي كانت توثق للتعذيب، الأمر الذي أثار غضب الكونغرس، المنوطة به الرقابة على أداء الوكالة، فاتصل مدير المخابرات برئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ وقتها، السيناتور جون روكفلر، وأخطره بأن في حوزة الوكالة وسائل توثيق أخرى بإمكان اللجنة الاطلاع عليها، فأرسل روكفلر اثنين من أعضاء الجهاز الفني، أمضيا عاماً كاملاً في الاطلاع على تلك الوثائق، وعرضا بعدها ملاحظاتهما على عموم اللجنة، ما نتج عنه كتابة تقرير في 6300 صفحة، أدان وكالة المخابرات، وقال صراحة إنها ضللت اللجنة، فيما كانت تقوله لها على مدار سبع سنوات.

وفي عام 2009 قررت اللجنة بواقع 14: 1 صوت، إعادة فتح الموضوع والتحقيق فيه من جديد، وطلبت معلومات من وكالة المخابرات، إلا أنها توصلت معها لاتفاق على الطريقة التي يتم بها الحصول على المعلومات. فكان الترتيب أن يتم إطلاع الجهاز الفني للجنة مجلس الشيوخ على تلك المعلومات، في موقع آمن في الوكالة يكون مجهزاً بأجهزة كمبيوتر تابعة لمجلس الشيوخ، وليست مرتبطة بشبكة أجهزة الوكالة، وإنما تكون مملوكة لمجلس الشيوخ، ثم تقوم وكالة المخابرات بوضع كل الوثائق المطلوبة في شكل إلكتروني على تلك الأجهزة، كي تطلع اللجنة عليها كما تشاء.
وقد بدأ أعضاء الجهاز الفني العمل فعلاً، ففوجئوا بأنهم أمام 6 ملايين صفحة من الملفات الإلكترونية، أغرقت بها الوكالة تلك الأجهزة، ولكنها صفحات بلا فهرس ولا أي هيكل ينظمها، وتتم الإضافة إليها بين الحين والآخر، ومع ذلك مضى أعضاء الجهاز الفني التابع للجنة مجلس الشيوخ في العمل. ولكن مع الوقت، بدأوا ينتبهون إلى أن هناك وثائق يتم حذفها دون سبب واضح، وأن هناك ملفات تخص اللجنة لا علاقة لها بتلك الوثائق بدأت تختفي هي الأخرى، كملفات تحتوي على ملاحظاتهم هم على الوثائق، أو ما يخطونه من نقاط في إطار إعداد تقاريرهم.
وهنا، اتهمت رئيسة اللجنة السيناتور فاينستين الوكالة بالتجسس على اللجنة، فردت الوكالة بكل صلف، باتهام الجهاز الفني للجنة بأنه حصل بشكل غير قانوني على تقرير سري تقييمي كان مقدماً إلى ليون بانيتا المدير السابق لوكالة المخابرات. والحقيقة أن هذا التقرير هو أحد أدلة لجنة مجلس الشيوخ على أن الوكالة ضللت الكونغرس، لأنه يدين ممارسات الوكالة في مجال التعذيب من داخلها، ويقدم الصورة الحقيقية التي لم تقدمها الوكالة أبداً في كل تقاريرها للكونغرس.
وبدلاً من أن تظل المعركة حول تجاوزات وكالة المخابرات، صار جزء من الخلاف يدور حول ما إذا كان الجهاز الفني قد ارتكب جرماً بالحصول على تقرير بانيتا، وهي مسألة بالغة الخطورة تقوض الديمقراطية المؤسسية ذاتها. فاللجنتان المختصتان في الكونغرس بعمل أجهزة الاستخبارات الأميركية المختلفة، هما لجنتا الاستخبارات في المجلسين.
وعلى عكس باقي لجان الكونغرس، التي لها صلاحيتا التشريع والرقابة، فإن لجنتي الاستخبارات في المجلسين ليست لهما صلاحية التشريع، وإنما تملكان فقط صلاحية الرقابة. والدور الرقابي الذي تلعبه اللجنتان بالغ الأهمية، فهما في دورهما الرقابي من حقهما الحصول على كل التقارير التي تسمح بالقيام بذلك الدور، وليس من حق المؤسسة التي تخضع للرقابة أن تختار ما تقدم من المعلومات. ومن ثم، فإن اتهام الجهاز الفني بالحصول على التقرير بشكل غير قانوني، هو في ذاته وسيلة من وسائل "ردع" القائمين على الرقابة.
الأسوأ في ذلك السلوك، هو أن وكالة المخابرات تعلم جيداً أن التقرير ليس سراً منذ شهر ديسمبر الماضي، حيث أشار له أحد أعضاء الكونغرس علناً في كلمة له، الأمر الذي يعني أن التجسس على الجهاز الفني وأجهزته لم يكن له علاقة بتقرير بانيتا أصلاً، وإنما بمعرفة ماذا تفعل جهة الرقابة. بعبارة أخرى، صارت وكالة المخابرات التي هي تحت الرقابة من جانب اللجنة، تتدخل في عملية الرقابة ذاتها! فهي ليست فقط تحجب وتحذف، بل وتتجسس على اللجنة أثناء قيامها بالرقابة عليها.
أكثر من ذلك، وأخطر، فإن تقرير لجنة الاستخبارات الذي يقع في 6300 صفحة، والذي يدين وكالة المخابرات المركزية ويتهمها بالتضليل وممارسة التعذيب، لا يزال سرياً حتى الآن بأمر الوكالة! فلأن لجنة الاستخبارات ليست لها صلاحيات تشريعية، فقد لجأت للبيت الأبيض ليساعدها على نشر التقرير، وهو ما يصعب تصور حدوثه، لأن التقرير يمتد ليشمل فترة حكم أوباما أيضاً.
وهذا الدور المستفحل لوكالة المخابرات، مقارنة بالمؤسسة التي تراقبه، معناه تقويض الرقابة الدستورية أصلاً. وتقويض الدستور وحرمان المواطن الأميركي من معرفة تجاوزات حكومته، خصوصاً الأجهزة التي خرجت عن السيطرة، هو بالضبط ما حدث في الستينيات والسبعينيات، وانتهت المسألة بسلسلة هزائم وفضائح، ثم قوانين كبحت جماح تلك الأجهزة، ووضعت حداً لانفلاتها.. ترى ما الذي سيحدث هذه المرة؟