الكويت التي استقبلت قمماً ومؤتمرات متعددة في الشهور المنصرمة، واستضافت أكثر من قمة على أراضيها، تحتضن هذه المرة مؤتمراً استثنائياً للقمة العربية، التي انعقدت والمنطقة تعاني من وضع سياسي متأزم، وحالة استقطاب وتباين في السياسات واضحة. كما أن الدول العربية نفسها تشارك وهي تعاني من مشكلات داخلية خطيرة تصل إلى حد خطر التقسيم، مثل ليبيا والعراق واليمن، وهناك انفلات أمنى، عدا أزمة سوريا التي زادت الجراح وعمقت البعد الطائفي في الواقع العربي.
وإذا كانت ثقة المواطن العربي بالقمم تراجعت، وبدأ يشعر أنه حتى تصدر القرارات تكون الولادة صعبة، وأنه حتى إذا صدرت فإنها لا تنفذ، فإن هذه القمة انعقدت في ظل تحديات جديدة تفرضها المتغيرات التي استجدت في الخارطة السياسية العربية. فالقضية الفلسطينية كانت هي القاسم المشترك بين كل القمم، ولكن هذه المرة يتعرض الأمن القومي العربي لخطر واضح. والإرهاب وتمدده وتلبسه برداء الدين ضمن أجندات سياسية، جعل الواقع أكثر صعوبة، وتداخلت الأزمات مع بعضها.
وقد أكدت الأحداث السياسية والثورات التي حصلت في العالم العربي، أن النظام الحالي العربي الذي لم يتطور بشكل كبير منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، لم يستطع أن يتواءم مع المتغيرات. وإلقاء اللوم على الجامعة العربية فيه نوع من الإجحاف، فالجامعة في نهاية المطاف هي أمانة عامة أو سكرتارية، ترتهن إلى القرار السياسي للأنظمة التي تملك القرار في الدول العربية.
ويطرح الحديث دائما عن تطوير ميثاق الجامعة العربية، وهو حديث مكرر سبق أن طرح أكثر من مرة. وأعتقد أن القضية ليست في تطوير الميثاق فحسب، بل في أهمية المشاركة الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني في قرارات الجامعة، ووجود آلية مقننة ملزمة لترجمة القرارات إلى واقع.
العالم العربي يحتاج إلى إقامة نظام إقليمي جديد، يعيد الأدوار الرئيسة للدول العربية المؤثرة، ويحقق الحد الأدنى من التضامن العربي. فهناك دول مثل إيران وتركيا أصبح لها تأثير في الشأن الداخلي العربي، نظرا لضعف القرار السياسي العربي، ووجود فجوات واضحة في الخط السياسي للدول العربية. ومطلوب من النظام العربي الجديد أن يحدد منهجا أساسيا في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأن يضع مرجعية ملزمة في حالة خروج دولة على هذا النظام.
يخسر العرب كثيرا لو تجاهلوا جامعتهم العتيدة، أول منظمة إقليمية في التاريخ السياسي المعاصر، فرغم كل القصور والانتقاد الذي يقع عليها، إلا أنها تظل الرابط المؤسسي الذي يجمع الدول العربية. ويحتاج العرب إلى مزيد من النضوج السياسي، بحيث يتجاوزون الخلافات الهامشية ويركزون على القواسم والمصالح المشتركة. ومن المهم أن تلعب الدول العربية الرئيسة دورها القيادي، فوجود مراكز عربية تقود القرار السياسي، كان وسيظل الضمانة للحد الأدنى من التضامن العربي وحماية القرار السياسي العربي.
وتطفو قضية الطائفية في أبشع صورها في العالم العربي، وأصبحت الخلافات السياسية تغذي هذا التناحر السياسي الطائفي. فاللعب بورقة الطائفية هو حساب تكتيكي مغامر، نهايته أن الجميع سوف يدفع ثمنه، وستكون نارا تلتهم الأخضر واليابس. والقمة العربية مطالبة بأن تحيد هذا الصراع الطائفي، وتحسم بوضوح أن الخلاف السياسي هو خلاف مصالح وليس خلاف مذاهب.
وينتظر المواطن العربي أن تكون هذه القمة فرصة للمصالحة، فالوضع السياسي العربي بشكل عام يعيش في أسوأ مراحله، والتباعد بين الأنظمة يجعل القمة العربية أمام تحدٍّ صعب.
ويلقي الخلاف الخليجي القطري بظلاله القاتمة على أجواء القمة العربية، فلم يصل الخلاف داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسها إلى هذا الوضع. وكانت منظومة مجلس التعاون تعد دائما متجانسة وسابقة للمؤسسات الإقليمية الأخرى، ولكن هذه المرة حتى هذه المنظومة تواجه صعوبات تزيد من تأزم الوضع السياسي العربي بشكل عام.
الكويت التي تتميز سياستها بالتوافقية ومحاولة تسوية الخلافات والقيام بدور الوسيط، تبذل جهودا حثيثة لحل المشكلات. لكن يجب أن نكون واقعيين، فالكويت لا تمتلك عصا سحرية لحل المشكلات البينية العربية، والمطلوب هو عمل مشترك تلعب فيه دول رئيسة دورا محوريا، في دعم التضامن العربي وحماية القرار السياسي العربي.
الشعوب العربية تعبت من التسويف والإحباط، وتستحق أن تعيش حياتها بكرامة وعزة نفس. والمسؤولية تقع على صناع القرار السياسي، لتجاوز الدوائر الصغيرة للوصول إلى الدائرة الأكبر، التي كانت ومازالت حلم المواطن العربي.
القرار العربي مسؤولية العرب، وليس للقوى السياسية الإقليمية الأخرى. ومتى ما اقتنع المجتمعون في الكويت بأن القرار العربي لابد أن يكون نابعا من العواصم العربية ووفق أجندة المصالح العربية، فقمة الكويت ربما تكون بداية لتعديل المسار السياسي والاستراتيجي للأمة العربية.